النمل تضحية بلا حدود

النمل

تمثل أكثر الكائنات الحية التي تعيش على الكرة الأرضية حالة إعجازية حين دراستها والتغلغل في تفاصيل حياتها، خاصة تلك التي تعيش في مستعمرات كبيرة تتعاون فيما بينها أو تشكل الجيوش للدفاع عن نفسها وأبنائها..

الدكتور هارون يحيى يتكلم عن إحدى هذه المخلوقات وهو النمل وكيف يضحي هذا الكائن الصغير بنفسه في سبيل بقاء غيره فيقول: تعيش كائنات مثل النحل والنمل الأبيض ضمن تشكيلات اجتماعية يتم بناؤها بانتظام كما يتم توزيع الواجبات بدقة. هذه الأحياء الصغيرة تبذل كل جهدها ووقتها في سبيل الحفاظ على سلامة اليرقات منذ لحظة خروجها من البيض، وعلى سلامة المستعمرة وتأمين غذائها. وتتقاسم غذاءها فيما بينها فتقوم بتنظيف المكان الذي توجد فيه وإذا اقتضى الأمر تضحي بنفسها من أجل غيرها.

والكل يعرف ما عليه أن يفعله ويحرص على فعل ما بوسعه على أكمل وجه. وكل واحد منها يهتم بالمستعمرة وباليرقات الضعيفة وهذان الهدفان من الأولويات المهمة لديها. ولا يمكن لنا أن نشاهد ضمن أنماطها السلوكية أي دليل على أنانيتها البتة. وهذا بلا شك سبب نجاح هذه الأحياء في الحياة ضمن مستعمرة ملؤها النظام والانتظام.

ويحدثنا بيتر كرو بوتكين Peter Kropotkin عن مدى النجاح الذي يتوصل إليه النحل والنمل الأبيض ضمن العيش في مستعمرة يتسم كيانها بالتعاون المتبادل كما يلي:

لو كانت المستعمرات التي ينشئها النحل أو النمل الأبيض بمقياس المنازل التي ينشئها بني الإنسان لكانت هذه المستعمرات أكثر تطورا في أسلوب بنائها وإدارتها لأنها تتألف من طرق معبدة ومخازن مهيأة للاستهلاك عند الحاجة وصالات فسيحة إضافة إلى مخازن للحبوب ومساحات لزرع الحبوب وتستخدم في هذه المستعمرات مختلف الوسائل والطرق الحكيمة لرعاية البيض واليرقات. وأخيراً شجاعتها وعقولها الرفيعة …كل هذا نتيجة طبيعية للتعاون المتقابل الذي يبدونها طوال حياتها المتسمة بالعمل المكثف والشاق.

وفي هذا الباب سنذكر بعض أوجه التعاون والتضحية في مستعمرة النمل وخليته.

معالم التضحية في مستعمرة النمل

1 – من أهم المعالم المميزة لمستعمرة النمل المشاركة في الغذاء. فإذا تقابلت نملتان وكانت إحداهما جائعة أو عطشى والأخرى تملك شيئاً في بلعومها لم يمضغ بعد فإن الجائعة تطلب شيئاً من الأخرى التي لا ترد الطلب أبداً وتشاركها في الأكل والشرب. وتقوم النملات العاملات بتغذية اليرقات بالغذاء الموجود في بلعومها. وفي أغلب الأحيان تكون كريمة مع غيرها وبخيلة على نفسها بشأن الغذاء.

2 – هناك توزيع في أداء الواجبات ضمن المستعمرة الواحدة. وكل نملة تؤدي ما عليها من واجب بكل تفان وإخلاص. وإحدى هذه النملات هي البوابة أو حارسة الباب. وهي المسؤولة عن السماح بدخول النمل من أبناء المستعمرة فقط ولا يسمح للغرباء بالدخول أبداً وتكون رؤوس هذه الحارسات بحجم بوابة المستعمرة بحيث تستطيع أن تسد هذه البوابة برأسها. وتظل الحارسات طيلة اليوم بالقيام بواجبها في حراسة مدخل المستعمرة لذلك فإن أول من يجابه الخطر هؤلاء الحارسات.

3 – لا تكتفي النملات بمشاركة أخواتها بالطعام الذي تحمله في معدتها بل تقوم بتنبيه الباقيات إلى وجود مصادر الطعام أو كلإ في مكان ما صادفته. وهذا السلوك لا يحمل في طياته أي معنى للأنانية وأول نملة تكشف الغذاء تقوم بملء بلعومها منه ثم تعود إلى المستعمرة.

وفي طريق العودة تقوم بلمس الأرض بطرف بطنها تاركة مادة كيماوية معينة ولا تكتفي بذلك بل تتجول في أنحاء المستعمرة بسرعة ملحوظة ثلاث أو ستة مرات وهذه الجولة تكفي لإخبار باقي أفراد المستعمرة بالكنز الذي وجدته. وعند عودة النملة المكتشفة إلى مصدر الغذاء يتبعها طابور طويل من أفراد المستعمرة.

4 – هناك نمل يدعى قطاع الورق تكون عاملاته المتوسطة الطول مشغولات طيلة اليوم بحمل أجزاء الورقة النباتية إلى المستعمرة.

ولكنها تكون عند حملها لها عاجزة عن أي دفاع خصوصاً تجاه نوع خاص من الذباب أو أبناء جنسه. ويترك الذباب بيضه على رأس هذا النمل. وتنمو يرقة هذا الذباب متغذية من مخ هذه النملة وهو ما يؤدي إلى موتها.

وتكون العاملات من هذا النوع من النمل دون أي حماية أو دفاع أمام هذا الذباب عند حملهن للورقة النباتية. ولكن هناك من يحميها من هجوم هذا الذباب وهو نمل قصير القامة الذي من نفس المستعمرة حيث يقوم بوظيفة حراسة العاملات بواسطة جلوسه فوق الورقة النباتية وعلى أهبة الاستعداد لرد أي هجوم من الذباب على أعقابه.

5 – هناك نوع من النمل يدعى نمل العسل وسبب هذه التسمية أنها تتغذى على فضلات بعض الحشرات المتطفلة على الأوراق النباتية وتكون فضلات هذه الحشرات غنية بالمواد السكرية. وتحمل هذه النملات ما مصته من فضلات سكرية إلى مستعمراتها وتخزنها في أسلوب عجيب وغريب.

لأن البعض من هذه النملات العاملات تستخدم جسمها كمخزن للمواد السكرية. وتقوم العاملات التي حملت المواد السكرية بتفريغ حمولتها داخل أفواه العاملات أو – المخازن الحية – والتي بدورها تملأ الأجزاء السفلية من بطونها بهذا السكر حتى تنتفخ بطونها ويصبح حجمها في بعض الأحيان بحجم حبة العنب.

ويوجد من هذه العاملات في كل غرفة من غرف الخلية عدد يتراوح بين 25 و 30 نملة ملتصقات بواسطة سيقانهن بسقف الغرفة في وضع مقلوب. ولو تعرضت إحداهن للسقوط تسارع العاملات الأخريات إلى إلصاقها من جديد. والمحلول السكري الذي تحمله كل نملة يكون أثقل بثماني مرات من وزن النملة نفسها. وفي موسم الجفاف أو الشتاء تقوم باقي النملات بزيارة هذه المخازن الحية لأخذ حاجاتها من الغذاء – السكر – اليومي. حيث تلصق النملة الجائعة فمها بفم النملة المنتفخة وعندئذٍ تقوم الأخيرة بتقليص بطنها لإخراج قطرة واحدة إلى فم أختها.

ومن المستحيل أن يقوم النمل بتطوير هذه المخازن وابتكارها بهذه الطريقة العجيبة ومن تلقاء نفسها. وإضافة إلى ذلك التفاني والتضحية التي تتسم بها النملة المنتفخة حيث تحمل ما هو أكثر من وزنها ثماني مرات فضلاً عن بقائها ملتصقة بالمقلوب مدة طويلة جداً ودون مقابل.

وإن هذا الأسلوب المبتكر وفقاً لبنية تلك النملة ليس من المصادفة وحدها. لأن هناك نمل يتطوع لكي أن يصبح مخزناً حياً في كل جيل جديد وطيلة أجيال سابقة ولاحقة بلا شك أن سلوكها هذا من تأثير الإلهام الإلهي الذي خلقها وسواها عزَّ وجلَّ.

6 – هناك أسلوب للدفاع عن المستعمرة يتبعه النمل أحياناً وهو القيام بعملية انتحار وإعطاء خسائر للعدو في سبيل صيانة مستعمرتها. وتوجد أشكال عديدة لهذا الهجوم الانتحاري. منها الأسلوب الذي يتبعه النمل الذي يعيش في الغابات المطرية في ماليزيا فجسم هذا النوع يتميز بوجود غدة سمية تمتد من رأس النمل حتى مؤخرة جسمه.

وإن حدث أن حوصرت النملة من كل جهة تقوم بتقليص عضلات بطنها بشدة تكفي لتفجير هذه الغدة بما فيها من السم بوجه أعدائها ولكن النتيجة موتها بالطبع.

7 – يقدم ذكر النمل ومثله الأنثى تضحية كبيرة في سبيل التكاثر. فالذكر المجنح يموت بعد فترة قصيرة من التزاوج. أما الأنثى فتبحث عن مكان مناسب لإنشاء المستعمرة وعندما تجد هذا المكان فإن أول عمل تقوم به هو التخلي عن أجنحتها. وبعد ذلك تسد مدخل المكان وتظل كامنة داخله لأسابيع وحتى لشهور دون أكل أو شرب.

وتبدأ بوضع البيض باعتبارها ملكة المستعمرة. وتتغذى في هذه الفترة على جناحيها الذين تخلت عنهما. وتغذي أول اليرقات بإفرازاتها هي وهذه الفترة تعتبر الوحيدة بالنسبة للملكة التي تعمل فيها منفردة بهذا الجهد والتفاني وهكذا تبدأ الحياة في بالمستعمرة.

8 – إذا حدث هجوم مفاجئ من قبل الأعداء على المستعمرة تقوم العاملات ببذل ما بوسعها للحفاظ على حياة الصغار. ويبدأ النمل المقاتل بالتحرك صوب الجهة التي هجم منها العدو ومجابهته فوراً. أما العاملات فتسرع نحو الغرف التي توجد فيها اليرقات لتحملها بواسطة فكوكها إلى مكان معين خارج المستعمرة لحين انتهاء المعركة والمتوقع من حيوان كالنمل في مثل هذا الموقف العصيب أن يفر هارباً ويختفي فيه عن أنظار الأعداء، ولكن الذي يجري في المستعمرة غاية في التضحية والتفاني من أجل سلامة المستعمرة، فلا النمل المقاتل ولا حراس البوابة ولا العاملات يفكرون في أنفسهم فقط، فالكل يفكر في المستعمرة بأكملها، وهذا ديدن النمل منذ ملايين السنين.

Share and Enjoy

  • Facebook
  • Twitter
  • Delicious
  • LinkedIn
  • StumbleUpon
  • Add to favorites
  • Email
  • RSS

Tags: ,

بدون تعليقات للان

اضف ردك

Read more:
تخلص من الجمود الفكري

خفايا التأمل والحياة السمكة والمقلاة يحكى أن فتاةً كانت إذا أرادت قلي السمك قطعت رأسه، فسُئلت: لماذا تفعلين هذا قالت...

كيف تقهر الخوف

كل ما في الكون مكوّنٌ من طاقة أو اهتزاز. فاهتزاز الكلام هو مظهرٌ أو تعبيرٌ أكثرَ كثافة من اهتزاز الفكر....

العلاج بالاحساس والوعي

كل شيء يبدأ في تفكيرك أو وعيك ثم يحدث في حياتك العملية، وكل شيء يحدث في وعيك أو تفكيرك هو...

Close