الطفولة أمانة

الطفولة أمانة

بقلم: د. رانيا فرح

باحثة في علوم الإيزوتيريك

www.esoteric-lebanon.org
الحبّ والزواج، والإنجاب روابط إنسانية تشكل أنماطاً متعددة ومتجددة من التفاعل بين المرأة والرجل تشكل فيما بعد العائلة ومن ثم المجتمع.. تفاعل كالنول يحيك خيوط الوعي ليُعبئ مكامن النقصان في النفس البشرية التي تكشف خباياها ومجاهلها علوم إنسانية الإنسان أو علوم الإيزوتيريك، كي تساعد المرء على التعمّق في فهم تصرفات النفس، وربطها بما يتلقفه الذهن من أحداث في الحياة.

وأجمل ما في هذه العلوم، أنّها تعلّم المرء كيف يكتشف الحقائق بنفسه، وكيف ينطلق من محور وعيه ليفهم أسرار الحياة وخفايا الفضاء وغوامض الكون، وكيف يحقق الوعي بسعادة عبر تطبيق معادلة حياتية بسيطة ترتكز على تحويل المعرفة إلى وعي.. قد تتساءلون كيف؟

إن علوم الإيزوتيريك تستخدم الملكات الداخلية من خلال ممارسة تقنية «اعرف نفسك» في تطبيق عملي، حيث يُدخل المرء المعرفة إلى مختبَر نفسه ويتحقـّق منها عبر الممارسة، أي يغدو هو المختـَبر والمختبـِر في آن واحد.. واختبار كل شيء لإيقاظ الوعي الهاجع في المرء.

رأي علوم الباطن الإنساني

الإيزوتيريك يقولها بصريح العبارة: «إن كان الإنجاب مهمة مقدسة فالتربية رسالة ولا أقدس».. والتربية الواعية بدورها تتطلب فهم سنوات الطفولة بشقيها الباطني والمادي، ومراحلها القائمة على نظام رقم سبعة.

يحدد الإيزوتيريك سنوات الطفولة على أنها السنوات التي تمتد من بداية أشهر الحمل حتى السن الرابعة عشر. وتقسم إلى ثلاثة مراحل:

المرحلة الأولى: التي تمتد من الشهر الرابع للحمل وحتى الإنجاب. أثناءها يقوم الوالدان «بالتربية الأولية للجنين» وذلك بتلقينه، أي بإيصال كل ما هو ايجابي له، على صعيد الجسد (الغذاء) والمشاعر والفكر، وذلك عن طريق زرعه في الوعي الباطني للجنين، ليتفتح عليه وبموجبه بعد ولادته.

المرحلة الثانية: هي التي تبدأ منذ الولادة حتى سن السابعة. في هذه المرحلة التي تسمى بالمرحلة المادية في المفهوم الباطني. في هذه المرحلة يتعرف الطفل إلى العالم المادي من حوله ويكتسب الوعي الحسي للأمور.

المرحلة الثالثة: تبدأ من سن الثامنة وتنتهي في الرابعة عشرة، وتسمى في المفهوم الباطني بالمرحلة النفسية. أثناءها تستهل المشاعر والعواطف عملها وتفتحها.

الطفولة السعيدة

قد يتساءل البعض.. كيف يمكن للطفل أن يكون سعيداً؟! وما الطريقة السليمة للتعاطي مع الطفولة؟..

تؤكد علوم الوعي الإنساني أن الطفولة أمانة في عنق الوالدين، فالله سبحانه وتعالى ونظام الحياة هما من ائتمنا الزوجين على رعاية الأبناء في طفولتهم..

كما أنَّ الإنجاب في مفهومه الإنساني الكوني هو تبنّي إرادة إنسانية وروحية نفخت في الجسد المادي، ورعايتها لتحقيق تطورها الإنساني في المسيرة الأرضية.. من هنا، فإنّ الإنجاب ليس عملية تناسل أو استمرارية حياة فحسب، بل هو تبنٍّ روحي، وفي التبني مسؤولية إرادية حياتية واعية من الوالدين . تلك المسؤولية التي مهما تنوعت التفاسير حولها تبقى في جوهرها مسؤولية كونية لتنشئة أجيال المستقبل.. فهل من مسؤولية أقدس من مسؤولية إيصال الأبناء إلى مرحلة أكثر انفتاحاً وأعمق وعياً وأسرع تطوراً؟!

وتقدم علوم الباطن المنهج الذي يساعد الوالدين على تنشئة أبنائهم في سنوات الطفولة تنشئة إنسانية واعية اختبرها طلاب هذه العلوم، وحصدوا نتائجها. فابن العائلة هنا يتميز بحدسه القوي، فكره الفضولي المتوثب، وبثبات مشاعره. هو طفل وفتى دائم النشاط، قلما يتعرض لوعكات صحية وسريع التعلم، منفتح ومحب واجتماعي منذ صغره.

المنهج العملي

أمّا من أهم نقاط هذا المنهج العملي العملاني التطبيقي نذكر التالي:

1 – الاعتراف والقبول بالتطور الذي «سيجلبه» الجيل الجديد إلى الوالدين والعمل على احترامه ومجاراته.

2 – عدم كبت رغبة الأبناء، بل ترويضهم على الانفتاح على كل جديد ومفيد بغية تطوير وعيهم.

3 – احترام الحرية الشخصية للأبناء مهما كانت أعمارهم، مع تدخّل الأهل في حال أسيء استعمال هذه الحرية.

4 – إرشاد الأبناء إلى القيم النبيلة والفضائل الإنسانية التي ستضعهم على طريق الصواب، وتدفع بهم إلى الارتقاء الباطني، ومن ثم مراقبتهم عن كثب، والتدخّل فقط حين يلاحظ الوالدان خروجاً عن المسلك الصحيح.

5 – استعمال الحزم واجب ضروري لا سيما قبل أن يبلغ الأبناء العام الرابع عشر. أما بعد ذلك فالتربية يجب أن تأخذ منحى الإرشاد والتوجيه والنصح.

6 – الاحترام المتبادل بين الأهل وبين الأبناء أمر جوهري وإلزامي.

7 – والأهم توجيه الأبناء إلى كيفية الاتكال على النفس. فالاتكال على النفس يوقظ الثقة في الابن إلى جانب الكثير من الإيجابيات.

ركائز مهمة لدرب الوعي

إضافة إلى ما ذكر، هناك ركائز يعتمدها الوالدان اللذان ينتهجان درب الوعي في تربية الأبناء كي يعرفوهم إلى بواطنهم منذ الصِغر، نذكر منها التالي:

1 – تعريف الأبناء إلى مكنوناتهم الداخلية من خلال تفسير علاقة الباطن بالظاهر، وارتباط السبب بالنتيجة وفقاً لعمر الابن ومدى استيعابه. فمثلا، تعليم قواعد التصرف السليم مع الآخرين سيرتكز على إدراك أنَّ كل ما يمارسه الابن على نفسه من تصرف حسن، عليه أن يمارسه مع الآخرين، وإن أساء إلى أحدهم سيُساء إليه يوماً ما.. إلى ما هنالك من أمثلة حياتية تعلّم الابن أهمية ربط النتائج الظاهرة بالأسباب الخافية.

2 – منح الأبناء فرصاً مكثفة للتفتّح على الفنون في سن مبكرة، وخاصة الرسم والموسيقى والحس الشعري تفتح حسّ الجمال في النفس، ويعمقان أسلوب التعبير، ويقربان الأبناء من استشفاف الباطن، ويعلِّمان منطق الألوان والأرقام.. أي الرقّة والدقّة.

3 – تعليم الأبناء منذ الصغر على تنظيم أفكارهم وأوقاتهم حتى ينتظم كل ما هو خارجي في حياتهم. فمثلاً، حين يكون الابن منظماً في ترتيب فراشه وثيابه، وفي كل ما يقوم به، يقوى تفكيره، وتكبر مسؤوليته، ويتعلَّم أن يقدّر الوقت وأن يعطي كل شيء حقه.. بالتالي، ينتقل من الدرس، إلى اللعب، إلى قضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، وإلى ممارسة هواياته براحة تامة من دون الشعور بالاضطراب الذي ينجم عادة عن الصخب والفوضى وقلة التنظيم.

4 – الابتعاد عن المعلومات النظرية وتلقين الأطفال كل ما هو تطبيقي مفيد يساعدهم على التواصل مع العالم الأرضي وإدراكه. فهذا ما يفتح الوعي سريعاً كونه قاعدة النضج الفعلي للإنسان الذي سيغدو راشداً.

5 – عدم زرع الخوف والخجل والتردد والرفض في نفس الطفل.. فهذه الرباعية هي ما تؤسس لنشوء العقد والأمراض النفسية على أنواعها. لا بل على الوالدين مساعدة أبنائهم في مرحلة الطفولة على تخطيها إذا ما تواجدت.

الخلطة السحرية

من البديهي القول أن جميع النقاط الأنفة الذكر يتوجها رقة المعاملة وأجواء الاحتواء بمرح وهدوء دونما ملل أو تذمر من جانب الوالدين.. فهذه هي الخلطة السحرية التي يذكرها كتاب «محاضرات في الإيزوتيريك» التي تساعد الطفل بشكل عجائبي على توعيته للباطن لديه. سيما وقاعدة التربية المستقبلية ستقوم أصلا على اجتناب كل ما يشكل إغراءً مادياً، كألعوبة أو قطعة حلوى مثلاً، تجعل الطفل يميل إلى أحد والديه. بمعنى أنَّ المحبة التي يجب أن يضفيها الوالدان معاً على الطفل، يجب أن تكون فكرية أولاً، ثم مشاعرية.. ومتساوية من جانب الوالدين تجاه الأبناء، حيث أنَّ المحبة الفكرية هي إدراك حاجات الطفل والتواصل معه، وجعله قادراً على التعبير بما يتماشى مع حاجته للاكتفاء. إذ ليس المطلوب من الطفل أن يبزّ أقرانه، بل أن يعيش طفولته بتوازن – دونما أن يحرم شيئاً منها. أمّا المحبة المشاعرية، فهي تلبية رغبات الطفل المادية وحاجاته، وهذه تأتي لاحقاً، كونها تؤسس روابط العلاقة السليمة بين الظاهر والباطن في كيان الطفل.. في حين أنَّ المحبة الفكرية تنمي شخصيته.

أمّا القسوة في معاملة الأطفال فهي إساءة يعاقب عليها نظام الحياة، واستشهد بنفس الكتاب: «إنّ الطفولة أمانة.. والقسوة في تربية الأطفال إساءة إلى الأمانة، يعاقب عليها قانون الكارما بصرامة قد تصل إلى حرمان مرتكبيها من الإنجاب! لأنَّ في الإساءة انتهاكاً فاضحاً لقانون العدل الإلهي».

الطفل صفحة بيضاء

إن مقولة «الطفل صفحة بيضاء» تعني أن على الأهل تقع مسؤولية تعبئة هذه الصفحة البيضاء بكل ما هو إنساني رقيق ومحب.. وأيضاً تعني أن أي تصرف سلبي يمارسه الوالدين في حياتهما ينطبع في شخصية الطفل.. من هنا جاءت مقولة: «إن أردتم إزالة سلبية من أبنائكم فأزيلوها أولاً من نفوسكم…».

تؤكد علوم الإنسان الباطنية أنَّ علاقة المرأة بالرجل هي علاقة نقصان يبحث عن كماله، حيث أنَّ الزواج يفتـّح وعي كيانهما.. أما التربية فليست سوى حقل عملي مكثف يساعد الوالدين، عبر المسؤولية والعطاء، يساعدهما على نكش السلبيات الأشد ترسخاً فيهما، ويساعدهما أيضاً على التفتّح المشاعري والذهني، بالتالي يصقل الوعي الكامن في كليهما بطريقة أسرع.

لقد قال د. جوزيف مجدلاني، مؤسس مركز علوم الباطن مرة: «إنَّ التربية في ظاهرها عطاء للأبناء، لكنَّها في نهاية الأمر عطاء للذات، عطاء النفس للذات ليس إلا!». وأضاف: «التربية شحذ لصفات الوالدين وصقل للأبناء بحسب تراتبية ولادتهم، وهذا ما يدعى في الإيزوتيريك صقل (للأشعة البشرية) في أبعادها القصوى، سيما أنَّ الوالدين، على اختلاف أشعتهما، عليهما التعامل مع كل مولود بحسب تراتبيته بين إخوته…».

خلاصة القول، الحبّ والزواج، والإنجاب والتربية تشكل الروابط الإنسانية التي تنبعث قداستها من قداسة الحبّ.. ومستوى القداسة هذا يحدده مستوى الوعي الذي يفتّح النفس البشرية على مداها الإنساني في الوالدين والأبناء على حد سواء.

 

 

Share and Enjoy

  • Facebook
  • Twitter
  • Delicious
  • LinkedIn
  • StumbleUpon
  • Add to favorites
  • Email
  • RSS

Tags: ,

بدون تعليقات للان

اضف ردك

Read more:
السلام يظهر جوهر ذاتك

كلمة بوجهين لأيقونة واحدة.. الأول هو صمت الزهور والثاني هو سلام العطور.. الصمت هو الوجه الداخلي، هو الجذور لعطر السلام...

قراءة الكف والأذن وكشف المستور

بقلم: د. أميمة خفاجي أستاذ مساعد الهندسة الوراثية العلم في الخارج يتقدم ويتطور، وأمريكا وبعض البلاد الأوروبية وروسيا وغيرها من...

علم طفلك تقبل الآخر

ليس كل من نقابلهم في الحياة يعجبوننا أو نرتاح إليهم، لكن علينا أن نتحملهم لأنهم يعيشون معنا على سطح الكوكب...

Close