خريطة الحب

خريطة الحب
فالحب هو ميل الطبع للشيء اللذيذ, وهو الوداد, وهو ميل إلى الأشخاص أو الأشياء العزيزة أو الجذّابة أو النافعة, وله أسماء وحالات ومستويات كثيرة تدور كلها حول المعاني التالية:

1 – الميل الوجداني للمحبوب.

2 – الإحساس بالارتباط الشديد به.

3 – الشوق والحنين إليه.

4 – الرغبة في الاقتراب الأبدي منه.

5 – الشعور بالعذاب والضياع فى حالة البعد عنه.

الحب والصراع

أهم قانونين يحكمان الحياة وحركة البشر فيها هما قانون الحب وقانون الصراع, والحب ولد مبكرا بين آدم وحواء مع خلق الإنسان, ثم جاء الصراع لاحقا بين قابيل وهابيل, أي أن الحب أطول عمرا من الصراع, وهو بالإضافة لذلك أقوى تأثيرا في حياة الناس بدليل استمرار الحياة ونموها وتطورها على الرغم من الصراعات العديدة, فطالما أن الحياة تسير وتنمو وتتطور فهذا دليل على غلبة قانون الحب على قانون الصراع لأن قانون الحب يعني البناء والنمو والجمال في حين أن قانون الصراع يتجه غالبا نحو التدمير والموت والفناء.

وكل شخص يتكون لديه قانونه الخاص الذي يحكم سلوكه, فإما قانون الحب (إذا كانت البيئة الأسرية راعية ومطمئنة) أو قانون الصراع (إذا كانت البيئة الأسرية ناقدة ومهددة وقاسية), وقد تتكون درجات بينية بين هذا وذاك طبقا لتباينات الطبيعة الوالدية, وهذا القانون يتشكل – طبقا لرؤية العالم النفسي إريك إريكسون – فى السنة الأولى من العمر ولهذا أطلق إريكسون على هذه المرحلة العمرية المبكرة وصف «الثقة مقابل عدم الثقة».

الحب والجنس

كان الإغريق القدماء لا يعترفون إلا بالحب الجنسي, لكن أفلاطون جعل للحب معنى متساميا وجعل له درجات متصاعدة سنذكرها فيما بعد, وسمى هذا النوع من الحب المتسامي «الحب الأفلاطوني». ثم عاد فرويد مرة أخرى للمفهوم الإغريقي وقال بأن الحب ما هو إلا مظهر لغرائز الجنس, ويختلف التعبير عنه بحسب تطور الليبيدو (الطاقة الجنسية) عند الشخص ابتداء بالطفولة وانتهاء بالكهولة, وقد يحدث نكوص (عودة إلى أنماط بدائية للحب كانت سائدة في المراحل المبكرة) أو تثبيت (توقف عند نمط أو أنماط معينة للحب رغم تغير مراحل العمر), وقد يحدث تسامٍ (أن يعبر الإنسان عن حبه في صور ذات قيمة اجتماعية عالية كالفنون أو الآداب أو السلوكيات الاجتماعية الراقية كالإيثار ورعاية الأطفال والمسنين والضعفاء).

كان فرويد يرى أنه لاشيء اسمه الحب وإنما هو الجنس, وبالتالي حاول أن يمسح من تاريخ البشرية شيئاً اسمه الحب على اعتبار أنه وهم أو هو وسيلة فقط للوصول إلى الجنس وأن كل الغزل والأشعار والفنون ما هي إلا مقدمات للجنس, أي أن الجنس هو الأصل والحب هو الفرع. وقد كان وراء هذا الرأي وغيره موجات من الانفجار والانحلال الجنسي بكل أنواعه, فهل يا ترى كان هذا الكلام صحيحاً, وما مدى صحته بشكل خاص في العلاقة الزوجية؟

الفروق الجلية بين الحب والجنس

دون الدخول في تنظيرات معقدة أو محاولات فلسفية نحاول أن نرى مساحة كل من الحب والجنس في الوعي الإنساني وارتباطات كل منهما.

< الجنس (في حالة انفصاله عن الحب) فعل جسدي محدود زماناً ومكاناً ولذة, أما الحب فهو إحساس شامل ممتد في النفس بكل أبعادها وفى الجسد بكل أجزائه, وهو لا يتوقف عند حدود النفس والجسد بل يسري في الكون فيشيع نوراً عظيماً.

< الجنس حالة مؤقتة تنتهي بمجرد إفراغ الشهوة, أما الحب فهو حالة دائمة تبدأ قبل إفراغ الشهوة وتستمر بعدها, فالشهوة تعيش عدة دقائق والحب يعيش للأبد.

< والرغبة الجنسية قد تذبل أو تموت في حالة المرض أو الشيخوخة, ولكن الحب لا يتأثر كثيراً بتلك العوارض في حالة كونه حباً أصيلاً.

< الحب غاية والجنس وسيلة، الحب شعور مقدس, والجنس (في حالة انفصاله عن الحب) ليس مقدساً.

< الحب يخلق الرغبة في الاقتراب الجميل والتلامس الرقيق والتلاقي المشروع تحت مظلة السماء ويأتي الجنس كتعبير عن أقصى درجات القرب.

< المحبون ليسوا متعجلين على الجنس كهدف.. وإنما يصلون إليه كتطور طبيعي لمشاعرهم الفياضة وبالتالي حين يصلون إليه يمارسونه بكل خلجات أجسادهم وبكل جنبات أرواحهم.

< الجنس في كنف الحب له طعم آخر مختلف تراه في نظرة الرغبة الودودة قبله وأثناءه وتراه في نظرة الشكر والامتنان ولمسات الود من بعده.

< الحب هو التقاء إنسان (بكل أبعاده) بإنسان آخر (بكل أبعاده).. رحلة من ذات لذات.. عبور للحواجز التي تفصل بين البشر.. أما الجنس (المجرد من الحب) فهو التقاء جسد محدود بجسد محدود, وأحيانا لا يكون التقاء جسد بجسد بل التقاء عضو جسدي بعضو جسدي أخر.

< وفي ظل الحب يتجاوز الجنس كثيراً من التفاصيل فتصبح وسامة الرجل أو فحولته غير ذات أهمية, ويصبح جمال وجه المرأة أو نضارة جسدها شيئا ثانويا.. الأهم هنا هو الرغبة في الاقتراب والالتقاء والذوبان.

< حين يلتقي اثنان في علاقة غير مشروعة ومنزوعة الحب فإنهما يكرهان بعضهما, وربما يكرهان أنفسهما بعد الانتهاء من هذه العلاقة الآثمة ويحاول كل منهما الابتعاد عن الآخر والتخلص منه كأنه وصمة.. أما في حالة اللقاء المشروع في كنف الحب فإن مشاعر المودة والرضا والامتنان تسري في المكان وتحيط الطرفين بجو من البهجة السامية.

< في وجود الحب الحقيقي وفي ظل العلاقة الزوجية المشروعة لا يصبح لعدد مرات الجماع أو أوضاعه أو طول مدته أو جمال المرأة أو قدرة الرجل, لا يصبح لهذه الأشياء الأهمية القصوى, فهي أشياء ثانوية في هذه الحالة, أما حين يغيب الحب تبرز هذه الأشياء كمشكلات ملحة يشكو منها الطرفان مر الشكوى, أو يتفنن فيها ممارسو الجنس للجنس فيقرؤون الكتب الجنسية, ويتصفحون المجلات, ويشاهدون المواقع الجنسية بحثاً عن اللذة الجسدية الخالصة, ومع ذلك فهم لا يرتوون ولا يشعرون بالرضا أو السعادة, لأن هذه المشاعر من صفات الروح, وهم قد جردوا الجنس من روحه.. وروح الجنس هو الحب المقدس السامي.. فالباحثون عن الجنس للجنس أشبه بمن يشرب من ماء البحر.

إرضاء الطرف الآخر

في وجود الحب يسعى كل طرف لإرضاء الآخر بجانب إرضاء نفسه أثناء العلاقة الجنسية, بل إن رضا أحد الطرفين أحيانا يأتي من رضا الطرف الأخر وسعادته, فبعض النساء مثلاً لا يصلن للنشوة الجنسية، ولكن الزوجة في هذه الحالة تسعد برؤية زوجها وقد وصل إلى هذه الحالة وتكتفي بذلك وكأنها تشعر بالفخر والثقة أنها أوصلته إلى هذه الحالة، كما تشعر بالسعادة والرضا أنها أسعدته وأرضته ويشعر هو أيضاً بذلك.. أما في غياب الحب فتتحول العلاقة الجنسية إلى استعراض جنسي بين الطرفين فتتزين المرأة وتتفنن في إظهار مفاتنها لتسعد هي بذلك وترى قدرتها على سلب عقل الرجل وربما لا تشعر هي بأي مشاعر جنسية أو عاطفية فهي تقوم بدور الإغراء والغواية فقط.. وأيضاً الرجل نجده يهتم باستعراض قدرته فقط أمام المرأة, وإذا لم تسعفه قدرته الذاتية استعان بالمنشطات لكي يرفع رأسه فخراً ويعلن تفوقه الذكوري دونما اهتمام إذا ما كانت هذه الأشياء مطلباً للمرأة أو إسعاداً لها أم لا, المهم أن يشعر هو بذاته.

في وجود الحب لا يؤثر شيب الشعر ولا تجاعيد الوجه ولا ترهلات الجسم, فلقد رأيت من خلال مهنة العلاج النفسي أزواجا في الثمانينات من عمرهم يشعرون بإشباع عاطفي وجنسي في علاقتهما حتى ولو فشلا في إقامة علاقة كاملة, في حين أن هناك فتيات في ريعان الشباب يتمتعن بجمال صارخ ولكنهن يعجزن عن الإشباع الجنسي لهن أو لغيرهن, لأن تلك العلاقات تخلو من الحب الحقيقي والعميق اللازم للإشباع. فالجنس لدى المحبين نوع من التواصل الوجداني والجسدي, وبالتالي فهو يحدث بصور كثيرة ويؤدي إلى حالة من الإشباع والرضا, فقد حكى لي أحد المسنين (حوالي 80 سنة) بأن متعته الجسدية والعاطفية تتحقق حين ينام في السرير بجوار زوجته (75سنة) فتلمس ساقه ساقها لا أكثر, فالإشباع هنا ليس إشباعا فسيولوجياً فقط وإنما هو نوع من الارتواء النفسي يتبعه إشباع فسيولوجي أو حتى لا يتبعه في بعض الأحيان فيكون الارتواء النفسي كافياً خاصة حين يتعذر الإشباع الفسيولوجي بسبب السن أو المرض.

وهذا المستوى من الوعي الإنساني والوجداني ومن الثراء في وسائل التواصل والتعبير يحمي الرجل والمرأة من مخاوف الكبر والشيخوخة لأنه يعطي الفرصة للاستمرار حتى اللحظات الأخيرة من العمر في حالة التواصل الودود المحب, بل ربما لا نبالغ إذا قلنا إن الزوجين المحبين ذوي الوعي الممتد يشعران بأن علاقتهما ممتدة حتى بعد الموت، فهما سيلتقيان حتماً في العالم الآخر ليواصلا ما بدآه في الدنيا من علاقة حميمة في جنة الله في الآخرة, وهذا هو أرقى مستويات الوعي الإنساني وأرقى مستويات العلاقة الحميمة التي يتزاوج فيها الحب والجنس.

بين الصداقة والحب

حدث خلط كبير بين الصداقة والحب خاصة في العصر الحديث الذي حدث فيه اختلاط شديد وذابت الكثير من الحدود بين الرجال والنساء نظرا للحضور القوي للمرأة في كل مكان، وتفاعلها مع الرجال لفترات طويلة وعلى مستويات متعددة في أماكن العمل والترفيه وغيرها. وقد دفع هذا عالم النفس «دافيس» لأن يفرق بين الصداقة والحب حتى يكون الناس على وعي بحدود كل منهما, فالصداقة عنده تشمل: الاستماع والمساعدة والاحترام والتلقائية والتقبل والثقة والفهم والإفصاح عن الذات.

أما الحب فهو يشمل كل هذه العناصر المتضمنة في الصداقة ولكن يضاف إليها عنصرين أساسيين لا يكون الحب إلا بهما وهما:

الشغف: وهو يتضمن:

1 – الافتتان:

وهى حالة من المشاعر الطاغية تجاه المحبوب. والمحب يرى كل الصفات الجميلة في محبوبه ولا يرى فيه عيبا, بل إن ما يراه الناس عيبا في محبوبه يراه هو ميزة كبيرة, وإذا حدث ورأى عيبا فإنه مستعد للتغاضي عنه وغفرانه بسرعة وسهولة, لأنه يرى محبوبه أجمل الناس وأفضل الناس, والافتتان يتجاوز كل اعتبارات العقل والمنطق والحسابات.

2 – التفرد:

وهو الرغبة في الانفراد بالمحبوب بعيدا عن كل الناس, ومحاولة الاستئثار به.

3 – الرغبة في الاقتراب الحسي:

بالتلامس والتعانق وغيرهما

العناية: وهي تتضمن:

1 – تقديم أقصى ما يمكن للمحبوب: والمحب يكون على استعداد لبذل وقته وجهده وماله وربما نفسه في سبيل محبوبه, ويجد سعادة كبيرة في ذلك.

2 – الدفاع والمناصرة: فالمحب يسخر نفسه للدفاع عن محبوبه ومناصرته في كل المواقف حتى ولو كان مخطئا, بل إنه يراه محقا دائما ولذلك يدافع عنه وبنصره في كل المواقف.

بين الحب والافتتان

رأته لأول مرة فأحست بمشاعر غامرة اهتز لها كيانها فهو فارس أحلامها الذي انتظرته من سنين, ولم تتملك نفسها واقتربت منه وتبادلا التليفونات وبدأت العلاقة التي اتسمت من أول لحظة بأنها صاخبة ومشحونة بالمشاعر ومليئة في نفس الوقت بالمشكلات, فعلى الرغم من حبهما الجارف إلا أن بينهما خلافات واختلافات عميقة, وهم كثيري الخصام وكثيري العودة مرة أخرى لأسباب تبدو معقولة في بعض المرات وتبدو تافهة في مرات أخرى. وكثيرا ما قررا الانفصال ولكنهما يعودا مرة أخرى على وعد بتصحيح أوضاع لا تصحح أبدا, وهكذا بلا نهاية يختلط لديهما الحب الجارف بالخلافات المؤلمة, فهما بكل المقاييس مختلفين نفسيا واجتماعيا وماديا, ومع هذا مرتبطين عاطفيا بشدة غير مفهومة.

هذا نموذج لحالة افتتان يغيب عنها الأبعاد المنطقية والراسخة للحب, والافتتان علاقة تأتي فجأة وعفوية على عكس الحب الذي يحتاج وقتا كافيا لينمو، ويحتاج فترة حضانة يخرج بعدها قويا فتيا قابلا لأن يعيش ويسعد الطرفين. وفي الافتتان يحب الشخص حالة الحب أكثر مما يحب الآخر, والآخر هنا ما هو إلا مرآة مناسبة يرى فيها حالة حبه ويتعلق بها, فالمفتتن هنا يسعد بطقوس الحب من اتصالات ولقاءات وخصام وعتاب وعودة ولقاء وفراق وغيرها. وفى الافتتان نجد اختلافات شديدة بين الطرفين ونجد علامات التوافق قليلة أو منعدمة بينما في الحب نجد مساحات هائلة للتوافق والاتفاق ونجد توحدا بين الاثنين في مواقف كثيرة فهما يشعران معا ويفكران معا ويتحركان معا في حين أنه في الافتتان نجد الشخصين يسيران في عكس الاتجاه لكل منهما. والمفتتن يعيش حالة من القلق وحالة من الحرمان ويحلم بأشياء ويتمنى أشياء لا تتحقق, أما المحب الحقيقي فيشعر بحالة من السكينة والطمأنينة ويشعر بالارتواء والرضا, ويرى أن أحلامه وأمنياته يتحقق منها الكثير وما تبقى هو في طريقه إلى التحقيق ولهذا نجده يعيش حالة من الطمأنينة والسلام مع نفسه ومع من حوله. والمفتون قد يصيبه اليأس والإحباط من تصرفات الطرف الآخر فتتدهور أحواله ويفقد طموحه في الحياة ويزهد الطعام والشراب وتتدهور صحته ويعيش في حالة من الذهول وربما يهيم على وجهه (كما فعل قيس بن الملوح), أما المحب فإن نفسه تمتلئ بالأمل والتفاؤل ويرتفع طموحه وتزيد لديه الرغبة في العمل وتزدهر ملكاته وقدراته, ويحاول أن يفعل أشياء عظيمة ونبيلة ليرضى بها محبوبه ويكون عند حسن ظنه, ففي الحب يسعى كل طرف للارتقاء ولإسعاد الآخر في حين نجد في الافتتان حالة من التدهور والعذاب المتبادل. والافتتان يتميز بمشاعر هائلة ومشتعلة وجارفة تمتزج برغبات جسدية متعجلة وهي قابلة للتغير بسرعة وربما الانطفاء بسرعة على غير المتوقع, في حين نجد مشاعر الحب أكثر هدوءا وأطول عمرا وتنمو بقوة وثبات مع الوقت ولا تتعجل تحقيق الرغبات الجسدية أو الوصال الحسي ولكن تتركها تحصل في وقتها الطبيعي وبتطور منطقي تكاملي.

وتحدث المشكلات حين يقرر طرفان مفتونان أو أحدهما البدء في علاقة خطبة أو زواج فهنا يكون التسرع تحت إلحاح عواطف مشتعلة أو رغبات جسدية متعجلة, أو رغبة في الاعتماد على طرف آخر والاستئناس به, أو التخلص من واقع مؤلم أو حياة أسرية غير سعيدة وغير مستقرة, أو حياة نفسية مضطربة قوامها القلق أو الاكتئاب, لكل هذه الأسباب نجد اندفاعا محموما ورغبة غير متعقلة للارتباط بين الطرفين, وعناد يعمي العين عن علامات عدم التوافق البادية بينهما, وهذا العناد يجعل الطرفين لا يدركان صيحات التحذير من الأهل أو الأصدقاء, فالمفتونون يكتفون بمشاعرهم فقط كمبرر للارتباط ولا ينظرون إلى بقية عوامل التوافق والاتفاق, أما المحبون فهم غير متعجلين في الارتباط وتبقى لديهم القدرة على رؤية وتفعيل العوامل الأخرى للتوافق مثل النواحي العقلية والاجتماعية والاقتصادية والدينية, والاهتمامات المتماثلة للطرفين, ورعاية طموحات وأمنيات ومشروعات كل طرف بحب واتزان, ونجد كل طرف محب للطرف الآخر وحريص على إسعاده. والافتتان عواصف طاغية وأمواج عاتية سرعان ما تزول بعد أن تكون قد أحدثت مآسي كثيرة لدى من تعرضوا لها, أما الحب فهو نسمة رقيقة وماء عذب سلسبيل تحيا بهما النفوس المحبة وتسعد, وترقى بها الحياة.

خطوط الحب

نتخيل في خريطة الحب أن هناك خطا رئيسيا للحب بجانبه خطوط أصغر متوازية وحوله خطوط متفرعة أو متقاطعة. وتتوزع موضوعات الحب على هذه الخطوط فبعضها يدخل على الخط الرئيسي والبعض الآخر يتوزع على الخطوط الموازية أو المتفرعة أو المتقاطعة. والإنسان – في حالة كونه ناضجا – يستطيع أن يستقبل موضوعات متعددة للحب على هذه الخطوط مع الاحتفاظ باختلافاتها الكمية والنوعية, ويستطيع أن يجعلها تعمل في تناسق وتناغم دون أن يلغي بعضها البعض, ولكن غير الناضج لا يقدر على ذلك فنجده يختزل خطوط الحب في خط واحد يبتلعه بالكامل ويفقد القدرة على السيطرة عليه. ولكل منا خريطته التي يوزع عليها موضوعات حبه, وتشكل بالتالي تفضيلاته وتوجهاته بنسبها المختلفة, ولكن تبقى الأهمية الكبرى للموضوع الذي يشغل الخط الرئيسي لأن هذا الخط يؤثر على حركة بقية الخطوط وأحيانا يلغيها وأحيانا يدعمها. والخط الرئيسي قد يشغله حب الله, وقد يشغله حب المال أو حب النساء أو حب المخدرات أو حب الشهرة أو حب المناصب, وهنا نجد أن الشخصية تتوجه بكل ملكاتها وقدراتها نحو المحبوب الذي شغل الخط الرئيسي, وقد تضمر بقية الخطوط أو تتلاشى لحساب الخط الرئيسي وقد تبقى ولكنها تتأثر حتما بالخط الرئيسي وبالمحبوب الذي شغله.

والوضع الأمثل والأقرب للصحة النفسية هو أن يخصص الخط الرئيسي لحب الله ثم توزع المحبوبات الأخرى على بقية الخطوط الفرعية, فهذا التوزيع يضمن للإنسان التوازن والانسجام, وهذا ليس تعصبا لفكرة دينية بقدر ما هو رؤية موضوعية لضمان عوامل الثبات والاستقرار.

فالله هو المحبوب الوحيد المطلق الذي لا يتغير ولا يتبدل ولا يحول ولا يزول, أما غيره من المحبوبات فإنها جميعا نسبية وقابلة للزوال والتغيير لا محالة, إما بالموت أو الضياع أو الهجر, ولهذا تهتز التركيبة النفسية وتتزلزل حين تفقد إحدى هذه المحبوبات القابلة للفناء أو الضياع أو التحول إذا كان أحد هذه المحبوبات يحتل الخط الرئيسي للحب, والذي هو مخصص في الأساس لحب الله المطلق والدائم.

ومن هنا كان الصالحون والزهّاد يتحدثون عن قطع العلائق الدنيوية, وهو يعني إخلاء الخط الرئيسي لمحبة الله وعدم التورط في محبوبات زائلة تشغل هذا الخط المهم ثم تزول أو تتحول في لحظة فتترك الإنسان عبارة عن حطام. لأن هذا الخط الرئيسي للحب هو صمام الأمان وعامل التوازن للشخصية.

والأمثلة في حياتنا كثيرة حين نرى أشخاصا يتعلقون بأشخاص آخرين أو بأشياء دنيوية أخرى إلى حد العبادة (كما يصفون ذلك في أشعارهم وأغانيهم) وحين يفتقدون هذه التعلقات (وهذا لابد وأن يحدث بالضرورة للأشخاص والأشياء) يسقطون صرعى للإحباط والضياع, وهؤلاء ينطبق عليهم قول الله تعالى {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}, وقول رسول الله ([): «عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه» . والتوحيد في معناه النفسي يعني إفراد الله سبحانه وتعالى بالحب (على الخط الرئيسي الذي لا يلغي أنواعا أخرى من الحب المحمود على خطوط تابعة أو فرعية), والشرك هو أن يزاحم حب الله حبا لغيره على الخط الرئيسي للحب. وهكذا تبدو أهمية خريطة الحب كوسيلة للسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة, حتى لا تبتلعنا محبوبات زائلة تشقينا وتستنزف قوانا وتستعبدنا ثم تتركنا في لحظة غدر أو هجر فنقع في هاوية الضياع. أقول هذا وأنا أرى كل يوم أعمارا تضيع في تعلقات زائلة, وإخلاصا شديدا لمحبوبات تافهة أو عابرة أو خادعة , وإعلانا صريحا عن العشق الذي يصل لدرجة العبادة لتلك المحبوبات, والذهول في نفس الوقت عن المحبوب الأكبر والأعلى, ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

بقلم: د. محمد المهدي

استشاري الطب النفسي

الحب كلمة مكونة من حرفين سحريين هما الحاء والباء, وعلى الرغم من قلة مبناها إلا أن معانيها وما بني عليها من مشاعر وقصص وأحداث في التاريخ الإنساني يفوق ملايين الكلمات الأخرى في كل اللغات والثقافات, وبناء على ذلك نجد الكثيرين من الضحايا سقطوا على طرقات الحياة وفي دهاليزها وفوق مرتفعاتها وهم يبحثون عن الحب بلا خريطة تهديهم أو بوصلة توجههم. ولكلمة الحب معان متباينة لدى الشعوب والأفراد, وفيما يلي نحاول ضبط معناه لغويا واصطلاحيا ثم معرفة مستوياته وأقسامه بغية الحصول على خريطته وبوصلته حتى لا نتوه بعيدا عنه فنلحق بملايين الضحايا الذين سبقونا.

التوحيد في معناه النفسي يعني إفراد الله سبحانه وتعالى بالحب والشرك هو أن يزاحم حب الله حبا لغيره على الخط الرئيسي

أهم قانونين يحكمان الحياة وحركة البشر فيها هما قانون الحب وقانون الصراع

حاول فرويد أن يمسح من تاريخ البشرية شيئاً اسمه الحب على اعتبار أنه وهم أو وسيلة للوصول إلى الجنس فقط

قانون الحب يعني البناء والنمو والجمال في حين أن قانون الصراع يتجه غالبا نحو التدمير والموت والفناء

نتخيل في خريطة الحب أن هناك خطا رئيسيا للحب بجانبه خطوط أصغر متوازية وحوله خطوط متفرعة أو متقاطعة

Share and Enjoy

  • Facebook
  • Twitter
  • Delicious
  • LinkedIn
  • StumbleUpon
  • Add to favorites
  • Email
  • RSS

Tags:

بدون تعليقات للان

اضف ردك

Read more:
التفكير الايجابي

قال عالم النفس الشهير ويليام جيمس: “تعد ثقتك عند البدء بمشروع نتائجه غير مضمونة الضمانة الوحيدة لنجاح تلك المجازفة”. إن...

الطفولة أمانة

بقلم: د. رانيا فرح باحثة في علوم الإيزوتيريك www.esoteric-lebanon.org الحبّ والزواج، والإنجاب روابط إنسانية تشكل أنماطاً متعددة ومتجددة من التفاعل...

قلب حواء كيف تحميه

لأنه هو المايسترو الذي يتحكم في منظومة الجسم، نجده لا يكل ولا يمل. فالعين تنام والجسد يخلد إلى الراحة ويمكن...

Close