محبة الجسد .. هل تحب جسدك؟

محبة الجسد
امنحوا أجسادكم فيضاً من المحبة.. امنحوها الاهتمام والرعاية وكل ما يمثل لها إكسيرَ الحياة. هكذا تصحو قدراتها وإمكاناتها من سُباتها ورُقادها.. بعد نوم طويل.

لكن تذكروا بأنّ كِلا الفريقين سواء المُنغمِس في أودية شهواته السّالِك دروباً جداً مُظلِمة ليلها حالِك، وذلك المُمتَنِع عن الاقتراب من شهواته وحاجاته،

إعداد: بشار عبدالله

ذلك المُستمر في كبت نفسه وقمعها وجَلدها، كلاهُما لا يُحبان جسدهما، كلاهما لا يعرفان لغة المحبة.

كلاهما يعذب جسده. وتعذيب الجسد تحت أي شعار كان، يُسر ويُفصِح عن عقلية مريضة مُتهالكة.. يُفصِحُ عن قابليتنا حتى نخضع للتعذيب تحت وَطأة ضعفين عقليين، أحدهما انغماس في الشهوات والماديات ليلاً نهاراً دون أدنى وعي أو مسؤولية، والآخر هرب من الشهوات والاحتياجات وإدانة لها ونكران.

لأجل هذا السبب، كثيراً ما ينقلبُ حالُ المنغمِس في ملذات الدنيا إلى نقيضِه فجأة فيَدين الدنيا وملذاتها، يرفضها ويكتَسي برداء التدين المنافق. النقيضان يحويان مَرَضاً. لا شيء يُقارن بالتحليق في الوسط، في تجاوز النقيضين حيث لا هنا ولا هناك. لكن ما مِن أحد يُحلق في الوسَط لأنّ سهولة القفز من نقيض إلى نقيض مُعاكِس، من مرض إلى آخر ليس لها مثيل، وقد عزز بعض دُعاة الأخلاق المَرضى فكرياً هكذا أفكار مريضة في عقول البشر. لقد كانت هذه تعاليمهم على مرّ العصور: الجسد عدونا، علينا أن نحاربَه ونجابهه ونقيده. يجب أن نمنعه، نسجنه نحرمه.. وما عاد لهؤلاء دور سوى نكران دور الجسد ومحاربته. وكأنه غريب عنا وكأن الله لم يخلقه لنا وصوره بأحسن صورة.

جسدك.. صديق ينتظر

الحقيقة تبوحُ منذ الأزل بأنكم إذا أردتم لأنفسكم تحليقاً في السماء بعيداً عن الجسد.. صعوداً وعروجاً بعيداً عن الجسد، فلا تحاربوه ولا تعادوه. أحِبوه وتوددوا له طالبين صداقته. الجسد ليس بعَدُو لنا. الجسدُ أداة إبداع مُدهشة في انتظار استخدامنا لها. أنتم مَن يتوَجَّبُ عليه مَدّ يديّ الصّداقة نحو ذلك الذي ينوي استخدامه.

مهم جداً وقبل أيّ شيء أن تمدّوا يداً صديقة نحو أجسادكم التي هي بمثابة عيِّنة ونفحة خلابة من إبداع الله الخالق المصور..

أجسادُكم كنوز تحوي أسرارٌ وأسرار من شأنها أن تعرُجُ بكم إلى عالم النور والإبداع، تعرج بكم إلى أعالي السماء. كم هو مجنون ذلك الذي يدخل في صراع مع سُلم الأسرار بدلاً من تسلقِ درجاتِه.

لكنّ دُعاة الأفكار القاصرة وغير الواعية يحيطون بنا من كلِّ جانب. احذروا منهم. صعبٌ عليكم تقدير مدى الخراب الذي يُحدثه وجود هؤلاء الأناس ذوي الثقافات المحدودة من حولكم. أنتم لا تعرفوا ولا تعوا بَعد آلاف الأسرار المُختبئة داخل أجسادكم والتي أنعَمَ الله عليكم بها.

متى ما تعلَّم الإنسان وتعرَّف حقيقة جميع الأسرار المُشِعّة كنزاً ثميناً داخل جسده، عندها يُمسك بمفتاح يفتح باباً سرمدياً يُطِل منه على خفايا الروح الكلية الأبدية التي لا نهاية لها.

كم هو صغير هذا الجسد، لكن يا لهول الأسرار المُذهلة التي انطوَت فيه. العقلُ مختبئ داخل الجسد، والروحُ مُختبئة داخل العقل، والنفحة المقدسة العليا مختبئة داخل الروح.

انظر له بعين المحبة

حكيمٌ كان على موعدٍ مع الموت. جمعَ حوله طُلابه ومُحبيه فشكرَهُم ثم وقفَ وأسر بمُناجاته قائلاً: «آهٍ جسدي الحبيب، أنت مَن إلى اللهِ أوصَلني. شكراً لك. ما قدَّمْتُ لك شيئاً بل عَرَّضتكَ لألم ومعاناة. أخذتُ منك الكثير وما أعطيتك في المقابل شيئاً. إني مدين لكَ بالكثير الكثير حيث لا منتهى لما أهديتني وقدمت لي. إني طالب عفوك وسماحَك في لحظةِ الوداع هذه».

عليكم أن تنظروا بهذه الطريقة إلى أجسادكم. أنظروا لها بعينِ الامتنان، بعينِ المحبة المتوهّجة. وإن كلمات الحكيم حين قال «آهٍ جسدي الحبيب» تنزلُ وتسكبُ في كياني نعمة مُذهلة، أفلا يُوقظ هكذا فهم رحيم نوراً راقِداً في حنايا قلوبكم؟ هل لي أن أسألَكم ما إذا ملكتم وقتا نظرتم فيه إلى أجسادكم يوماً والمحبة الرحيمة متدفقة اتجاهه مثل شلال نور؟

هل أحسستم بالنعمة والبركة تتنزلُ عليكم وتنسَكِبُ في قلوبكم عندما تتفَكروا بأفعاله التي يقومُ بها من أجلِكم وخدَماته التي يُقدمها لكم؟

هل عبرتم لأجسادكم يوماً عن امتنانكم وشكركم؟ وإن لم تعبروا لها أبداً، فيا لِعَظمة نكرانكم الجَميل. يا للفظاظة التي لا تَليق. يا لإثمكم الرهيب.

الفهم الرحيم العميق

يجب أن يكون موقفِكم من الجسد موقفاً يكسوه الفهم الرحيم العميق. عليكم أن تمتلكوا ما يكفي من العرفانِ لأجل أن تحموا أجسادكم وتتقربوا منها كما الصديق والرفيق. أجسادنا رحالة الدرب والرحلة الطويلة معنا، تؤازرنا وتسانِدُنا في رحلةِ العروج مشاركة إيانا أحزاننا وأفراحنا. أجسادنا أدواتنا، وسيلتنا وسلم ارتقائنا.

وما العدائية اتجاه الجسد، وما تعذيب الجسد وكبته وحرمانه سوى ردّة فِعل الضُّعفاء العاجزين. وما الفشل وعدم الرضى والاكتفاء وخيبة الأمل سوى مُحصلَة دخول عالم المُتَع الحسية دون وعيٍ أو مسؤولية.

هكذا وَجَّهنا اللومَ على هذا الجسد البريء ونسبنا إليه انحرافات النفس نفسها.. الجسد شيء وما بداخله شيء آخر.. هل إذا رأيت ثروة صديقك أو سيارته الجميلة أو بيته الجميل وتولد في داخلك الطمع والحسد على ما يملك فإن هذا الشيء يجعلك تغلق عينيك للأبد أو تستغني عنها؟! بالطبع كلاً.. ما هذا سوى جنون لأنّ العيون لم ولن تسألكم عن الطمع يوماً، ولن تحُضَّكم عليه أبداً. هكذا جسدكم ليس سوى عبدكم، رحّال على الدّرب يُرافقكم. أينما شَدَدتم الرحالَ وارتَحلتم تجدونه مرافق لكم أينما ذهبتُم.

حتى وإن طلَبتم منه الذهاب إلى الجحيم أو إلى النعيم فهو ذاهبٌ معكم أينما قصدتم. الحكاية ليست حكاية أجسادكم إذاً، بل حكاية مشيئتكم أنتم. الجسدُ يجري خلف إرادتكم أنتم. وإنكم ترتكبون خطأ فادحاً إن أنتم عذبتم أجسادكم ودمرتموها بدلاً من تبديل وتحويل إرادتكم.

هذا عنف لا أرضاه أبداً لكم. أحبّوا أنفسكم فما من شيءٍ أكثر حماقة من إعلانكم الحرب ضدكم، على أنفسكم.

المحبة والغرور

محبّة النّفس التي أدعو لها تجهل عنوانَ الغرور وتعزيز الأنا تماماً. إن المغرور لا يعرف لغة الحب أصلاً. يَجهَلُ كيف يهتدي سبل محبته لنفسه. المغرور صاحبُ الأنا ذلك الذي ينغمِسُ في تعذيبِ نفسه، في فرض العنف على نفسه على أمَل أن يكونَ محترماً مقَدساً في مجتمعه. تعذيبه وكبته لنفسه هو غذاء الأنا وطعامها.

حَرِّروا أنفسكم من كل إرادةٍ مريضة اتجاه أجسادكم. الجسدُ مجرد وسيط ولا يأخذُ أحد كي يبلغ به أي مكان. أنظروا إليه دون أحكام مُسبَقة، دون شروط وقيود تجدونَ قلوبكم وقد امتلأت امتناناً وفاضَ كأسُها محبّة نحو خدماتٍ صامتة يُهديكم الجسد إياها. الجسد ليس سوى الخطوة الأولى. إنه أول خطوة على درب رحلة الحبّ والقرب من الله سبحانه وتعالى.

 

Share and Enjoy

  • Facebook
  • Twitter
  • Delicious
  • LinkedIn
  • StumbleUpon
  • Add to favorites
  • Email
  • RSS

Tags: ,

بدون تعليقات للان

اضف ردك

Read more:
الطريق الى السعادة

من الطبيعي أن نسعى لأن نعيش حياة سعيدة وأن نبحث عن السعادة، فكل إنسان عاقل يريد أن يبتعد عما يكدره...

معوقات التفكير السليم

بقلم: د. حسن جابر في إطار المقاصد الكلية للشرع، يمكننا ملاحظة جملة معوّقات دعا النص القرآني إلى تجاوزها وحذّر من...

أعشاب مضادة للتوتر والقلق

بقلم: زينب قربان zainabqurban5@hotmail.com من الأسماء الأخرى الني اشتهر بها النبات: نبيذ المشمش، زهرة الآلام الزرقاء، وردة الساعة، العاطفة، ومايبوب....

Close