لكي نجني فوائد التأمل

التأمل
إن أجسادنا صورة طبق الأصل عن هذا الكون الكامل المتكامل. فهناك الماء، الهواء، الحرارة، العناصر والمعادن، الخلايا، الطاقة الإليكترمغناطيسية والذبذبات.. لهذا، ترانا نعيش في حالة فورية ومستمرة من الحركة والتحول الدائم.

فإن نظرنا إلى جسم الإنسان بنظرة واحدة متأملة نرى أمامنا منظومة مصغرة من هذا النظام الكوني وطبيعته المتوازنة. إذ أن كل نشاط جسدي أو فكري نقوم به هو ليس إلا دليلاً مادياً قاطعاً على وجود مصدر موحد للطاقة، هذه الطاقة الكونية التي تغذينا وتغذي كل ما نتغذى به من أغذية مادية وروحية.

ولكن دعونا نسأل أولاً: لماذا يشهد الإنسان هذا التقهقر في قدراته الروحية والجسدية!؟

كيف استطاع القدماء أن يحققوا بسواعدهم وحدها أعمالاً إنشائية جبارة عجز أبناء عصرنا هذا عن الإتيان بمثيلها دون الاستعانة بالرافعات والآلات، كالأهرامات وغيرها!؟

ولماذا سمحنا لمطابخنا الحديثة بأن تعمل قوة نيرانها على سلب أغذيتنا المادية من طاقتها الروحية، هل نسينا هذه المقولة القديمة التي طالما رددها والتزم به أجدادنا: إن الإنسان لا يعيش بما يأكل، إنما بما يهضم..»

لهذا فمن الحكمة أن نكون متيقظين لآفات هذا العصر والمشاكل الناتجة عن اللاوعي البشري، آخذين بالاعتبار كل من هذه الأركان الخمس الأساسية لتحقيق صحة جسدية وروحية واعية وسليمة.

1 – الغذاء المادي

إنَّ تناولنا للأطعمة الصحية والطبيعية خير بداية لتحقيق صحة جسدية وروحية واعية.. فالحمية التي تعتمد على 80 % من الحنطة الكاملة والبقوليات، و 20 % من كافة أنواع الخضار الأرضية والبحرية هو نظام صحي يمكن الاعتماد عليه في معظم مراحل نمونا وتطورنا الجسدي والروحي، لأنها ستزودنا بطاقة صحية متوازنة وخالية من النوايا والغرائز التي ستنعكس علينا سلباً من جراء مشاركتنا في قتل وأكل لحوم كائنات حيوانية أخرى ومزج دمائها بدمائنا.

2 – الغذاء الروحي

مع تناولنا المتوازن للأطعمة الطبيعية والصحية التي تتناسب مع طبيعة أجسادنا وأنشطتنا اليومية، يصبح الغذاء الروحي أمراً طبيعياً وسهلاً، إذ أن غذاءنا الروحي هو هذه الطاقة الأرضية والسماوية الموحدة التي نستمدها بشكل «مباشر ومستمر» من أقاصي الكون. فكل ما يترتب علينا هو اتخاذ الوضعية الجسدية الأكثر استقامة لتسهيل طوفان تلك الطاقة عبر المقامات الروحية السبع لأجسادنا وروافدها الأربعة عشر التي تغذي كل عضو وخلية من أعضائنا وخلايانا بالطاقة الحيوية ذاتها.

فكما عند النبات كذلك عند البشر، فالذرة والقمح مثلاً يتمايزان عن غيرهما من العالم النباتي بشكلهما العامودي والمستقيم. لهذا فإنهما يتلقيان الطاقة الأرضية والسماوية بشكل أكثر توازناً من معظم الكائنات الحيوانية والنباتية الأخرى، كالزواحف والأشجار.

3 – النشاط الفيزيائي

إن النشاط الفيزيائي الذي نقوم به بشكل دائم ومنتظم يحفز عمل الدورة الدموية وفعالية دورها، إذ يقوم الدم بنقل وتغذية كل عضو وخلية من أعضائنا وخلايانا بهذه الطاقة الروحية والمادية في آنٍ واحد، مما ينعكس إيجاباً على صحة تفكيرنا وحسن نوايانا.

4 – تهيئة الأجواء الملائمة

إن الصمت والهدوء والسكينة هما ضرورة حتمية لتلقي هذه الموجات من الذبذبات الروحية التي تنحدر علينا بشكل عامودي. غير أن الذبذبات السلبية التي تطلقها ضوضاء الآلات الإلكترونية، الكهربائية والميكانيكية تعترض هذه الذبذبات الروحية بشكل أفقي فتبدد كثافتها وتخفف من عزمها. فالصمت، الهدوء، السكينة، النظافة والترتيب هي صفات لا يتحلى بها إلا الإنسان الواعي القابل للنمو الفكري والروحي.

إن الذبذبات التي نتغذى بها روحياً أكثر بكثير من تلك التي نتغذى بها من خلال الأغذية المادية أو الأطعمة. لهذا، سميت هذه الطاقة منذ القدم «بالروح.. لذا من الضروري التواصل مع هذه الطاقة الكونية بكل شفافية، ومحبة وامتنان، وتناغم».

5 – التأمل

إن التأمل هو الطريق الأقرب الذي يصل ذاتنا الكونية الصغرى مع العالم الواسع. اجلس ولو لبضعة دقائق يومياً بصمت في مكان هادئ أو في أحضان الطبيعة، وليكن صمتك أبعد من حدود الفكر والتفكر وثرثرة العقل واستئثاره. تأمل ملياً بهذا الوجود الأعظم وطاقته اللامتناهية، إذ أننا لسنا إلا حالة مكثفة من الروح.

لذا من غير المجدي أن نجول الأرض شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً أو حتى أن نطلب أو نستجدي شيئاً من أحد. فمع تأملنا وتفهمنا لأهمية تمتعنا «بصحة روحية» سليمة نصبح تلقائياً مهيئين للتراسل / استقبال ذبذبات أسمى تطوراًً ووعياً.. فالله سبحانه سيجعل الكون بأسره حاضراً معنا لتلبيتنا وتلبية ما يتناغم مع وعينا من طاقة اللانهاية.

ثلاث خطوات للتأمل

ولكي نجني فوائد التأمل يجب أن نبدأ بخطواته الصحيحة.. وأول خطوة يجب أن تكون الأسهل.. وهي مراقبة الجسد الملموس المحسوس. من السهل مشاهدة يدي وهي تتحرك، أو أن أشاهد نفسي وأنا أمشي في الطريق، يمكن أن أشهد على كل خطوة في مشيتي.. بمكن أن أشاهد نفسي وأنا آكل طعامي..

إذاً الخطوة الأولى في التأمل هي مشاهدة أفعال الجسد، وهي الخطوة الأسهل.. أية طريقة علمية تبدأ بالجزء الأسهل.

وبينما تشهد على جسدك ستفاجئك تجارب جديدة. عندما تحرك يدك بحذر، بمراقبة، بمشاهدة، بوعي، ستشعر بنور ونعمة إلهية.. بصمت معين في يدك.. يمكن أن تقوم بالحركة ذاتها دون مراقبة وستكون سريعة ميتة دون أي بركة.

مشاهدة الفكر

الخطوة الثانية هي مشاهدة الفكر.. الآن تنتقل إلى عالم أكثر رقة.. شاهد أفكارك. إذا نجحت واستطعت مشاهدة جسدك، فلن تجد أية صعوبة هنا.

الأفكار هي موجات رقيقة، موجات الكترونية، موجات لا سلكية لكنها مادية مثل جسدك. الأفكار ليست مرئية مثل الهواء، فهو ليس مرئياً أيضاً لكنه مادي مثل الحجر. هذه هي الخطوة الثانية الوسطى.. أنت تنتقل إلى اللامرئي لكنه ما يزال مادياً. راقب أفكارك.. الشرط الوحيد هو: «لا تصدر الأحكام» لأنه في اللحظة التي تبدأ بها إصدار الأحكام تنسى المشاهدة.

ليس بسبب أي معاداة نحو إصدار الأحكام لكن السبب في منعه هو أنه في اللحظة التي تبدأ إصدار الأحكام..»هذه الفكرة جيدة» .. في تلك اللحظة لم تكن شاهداً.. بدأت تفكر، بدأت تتورط.. لم تبقى بعيداً، واقفاً على حافة الطريق تشاهد حركة السير..

يجب أن تراقب أفكارك كأنها غيوم تمر في السماء. لا تصدر الأحكام على أفكارك.. «هذه الغيمة السوداء شريرة جداً»، «هذه الغيمة البيضاء قديسة ولطيفة».. الغيوم هي غيوم.. ليست شريرة ولا جيدة.. وهكذا الأفكار.. إنها فقط موجات صغيرة تمر من خلال دماغك.. راقب دون أي حكم وسترى مفاجآت أكبر.

كلما كانت مشاهدتك مستقرة كلما تناقصت أفكارك أكثر وأكثر. بالنسبة نفسها.

العواطف والمشاعر

من الأفكار عليك أن تنتقل إلى تجارب أكثر رقة.. وهي العواطف، المشاعر وتقلبات المزاج. وهذه الخطوة الثالثة: من الفكر إلى القلب.. وبنفس الشرط: لا أحكام.. كن شاهداً فقط.. والمفاجأة ستكون أن مزاجك ومعظم عواطفك ومشاعرك التي تتحكم بك.. سيحصل لها شيء جديد.

عادة عندما تشعر بالحزن فأنت تحت سيطرة الحزن، عندما تشعر بالغضب. لا يكون الغضب في جزء معين بل إنك تمتلئ به. كل خلية فيك تنبض غضباً. بمشاهدة قلبك ستختبر أن لا شيء يسيطر عليك الآن، الحزن يأتي ويذهب لكنك لا تصبح حزيناً. السعادة تأتي وتذهب لكنك لا تصبح سعيداً أيضاً. لا تفرحوا ولا تحزنوا. مهما تحرك في مستويات قلبك العميقة فلا شيء يؤثر فيك إطلاقاً، لأول مرة ستتذوق شيئاً من السيادة وتستلم دفة القيادة، لم تعد عبداً تُدفع وتُسحب باتجاه أو آخر حيث العواطف والمشاعر التي كانت تزعجك من قِبل أحدهم لأي أمر تافه.

عندما تصبح شاهداً في الخطوة الثالثة ستصبح لأول مرة سيداً على نفسك، لا شيء يزعجك، لا شيء يتحكم بك، كل شيء يبقى بعيداً في أسفل الأعماق وأنت في القمة.

عندما تصبح شاهداً بالكامل على جسدك، فكرك، قلبك، لا تستطيع بعد ذلك فعل شيء، ستضطر للانتظار عندما تكتمل هذه الخطوات الثلاثة فالخطوة الرابعة تحدث من تلقاء نفسها، تأتي كمكافأة.. قفزة نوعية من القلب إلى الروح، إلى مركز وجودك، لا يمكنك فعل ذلك بل إنه سيحدث من تلقاء نفسه، تذكر ذلك.

لا تحاول أن تفعل ذلك لأنك إذا حاولت فإن فشلك أكيد، إنه حدث وليس فعل.أنت تحضّر الخطوات الثلاثة والخطوة الرابعة هي مكافأة من الوجود نفسه،قفزة نوعية هائلة. فجأة.. طاقة حياتك.. مشاهدتك.. تدخل مركز وجودك.. وتكون قد وصلت إلى منزلك الداخلي..

يمكنك تسميتها اكتشاف أو تحقيق الذات، ومن عرف نفسه عرف ربه، ويمكنك تسميتها الاستنارة، يمكنك تسميتها التحرر الأقصى، لكن لا شيء أكثر من ذلك.. تكون قد وصلت إلى نهاية بحثك ووجدت حقيقة الوجود والفرحة الكبرى التي يغمرك بها.

كلما دخلتَ إلى أعماقك تصل إلى أبعاد أحلى وأحلى، أماكن مضيئة أكثر وأكثر، هذا هو كنزك.عندما تصل إلى آخر نقطة في وجودك تكون قد اقتربت من الله ليس كإنسان لكن كنور، كوعي، كحقيقة، كجمال، ككل ما كان يحلم به إنسان عبر القرون، كل هذه الكنوز التي يُحلم بها مختبئة داخل النفس البشرية.

التأمل ليس تمريناً فيه مشاكل، عذاب أو تقشف.. لكنه طريق لطيف، شاعري وينبع فيه المزيد من الفرح المطلق أكثر فأكثر. أفضل أنواع التعبد بعد العبادة والتشريع، فتأمل ساعة خير من عبادة سبعين عاماً.

Share and Enjoy

  • Facebook
  • Twitter
  • Delicious
  • LinkedIn
  • StumbleUpon
  • Add to favorites
  • Email
  • RSS

Tags: ,

بدون تعليقات للان

اضف ردك

Read more:
الصلاة اتصال روحي

الصلاة في الحقيقة عبارة عن علاج روحي. فالمرض ينشأ عن نقص في ذبذبة الجسم أو العقل، أو بمعنى آخر عن...

التهاب الاعصاب وفقد الاحساس

بقلم: زينب قربان zainabqurban5@hotmail.com أسباب التهاب الأعصاب مختلفة ومنها عبارة عن الالتهاب أو التدهور الذي يحدث في عصب أو مجموعة...

الدوافع النفسية لحب التلصص

يختلط على الناس مفهوما الستر والتستر صدرت حديثا رواية «التلصص» للكاتب الروائي صنع الله إبراهيم، وهي نوع من التلصص على...

Close