انهيار الخصوصية الشخصية

انهيار الخصوصية الشخصية
هناك نوع من البشر لا يستريحون، ولا يهنأ لهم بال إلا إذا دسوا أنوفهم في خصوصيات غيرهم.. قد يكونون من الأقارب أو الأصدقاء أو الجيران، أو من زملاء العمل.. بعضهم قد يتتبع أخبارك من الآخرين ثم يفاجئك بها، ويلومك على أنك لم تخبره بها، وبعضهم يقتحمك اقتحاما، ويستجوبك استجوابا كمحقق حول واقعة تخصك، ونمت إليه، ويريد أن يعرف منك كل تفاصيلها التي لم تصل إلى علم الآخرين بعد!

هؤلاء دافعهم المعلن هو حرصهم عليك، وحبهم لك، ولكن دافعهم الخفي هو الفضول القاتل الذي يفتقد الحس الإنساني والذكاء الاجتماعي.

وكالة أنباء خاصة

نبدأ في سرد قصة الموظف الفضولي الذي يعمل بإحدى الشركات العامة.. مهمته تنحصر في قراءة الجرائد والمجلات، وتقديم ما ينشر عن الشركة بها إلى سكرتارية مدير الشركة التي تقوم بعرضها عليه.. عمله لا يستغرق منه سوى ساعتين فقط، وباقي يوم دوامه يتنقل من مكتب لآخر يتقصى الأخبار عن زملائه.. وجلسته المفضلة في مكتب سكرتارية مدير الشركة، وبنظراته وآذانه وتلميحاته يرصد من الذي دخل إليه، ولماذا خرج مبتسما أو غاضبا، ولماذا استدعى الموظف» فلان «وماذا قال له.. ولماذا طال جلوسه معه رغم دخول زوار آخرين، ولماذا لم تعد زوجة هذا المدير تزوره بمكتبه كما كانت تفعل من قبل؟.. وأولاده هل ما زالوا متعثرين في دراستهم أم أن المدرسين الجدد أفلحوا معهم..الخ.

أنه نمط فضولي أصبح معروفا ومألوفا في بعض الشركات، والمؤسسات الحكومية بوجه خاص.. وهذا النوع من البشر يقتله الفضول إذا لم يعرف إجابة على تساؤلاته واستفساراته، ومن الغريب أنه يغضب ويثور حينما يواجهه زميل بأن ما يسأل عنه لا يهمه، ويعتبر من أدق أسرار العمل أو العلاقات الأسرية الخاصة، التي لا يجب أن يدس أنفه فيها.

هربت من الحي بأكمله

أما الحالة الثانية فيقول صاحبها غاضبا: لقد تركت سكنى، وتكبدت مبالغ طائلة حتى أعثر على سكن آخر في حي بعيد بسبب فضول جارتي، التي كادت أن تتسبب في طلاقي من زوجتي، وتشريد أولادي. هذه السيدة زوجها يعمل بالخارج وهى ربة بيت لا تعمل، ولديها خادمتان، تقومان بعمل البيت رغم أنها تقيم بمفردها وليس لها سوى أبن واحد في العاشرة من عمره هذه السيدة لم تجد ما تملأ به فراغ حياتها إلا بيتي وزوجتي.. في البداية رحبت بهذه العلاقة، فزوجتي أيضا لا تعمل، وكان لابد لها من صديقة تؤنس وحشتها، وتخفف من وحدتها خلال فترات غيابي عن المنزل، ولكن بعد فترة بدأت أشعر أنها لا تكاد تغادر بيتنا إلا نادرا، وأنها هي التي تدير أمور حياتنا، وتوجيهاتها لزوجتي لا ترد، حتى فيما يتعلق بأخص خصوصيات حياتنا، وبلغت بها الجرأة فأصبحت تتدخل بشكل مباشر في أي نقاش يدور بيني وبين زوجتي ودائما تكون زوجتي على حق من وجهة نظرها طبعا!!.. فإذا تحدثنا عن تعثر أحد أبنائي في دراسته ألقت باللوم عليّ لأنني لا أجلس معه وقتا أطول أراجع معه دروسه، وإن اعترضت على شراء زوجتي لشيء لا لزوم له، أسرعت تدلي بدلوها في الموضوع من خلال مجموعة من الآراء التي توافق عليها زوجتي، وتبدي إعجابها بها دون قيد أو شرط.. حتى سيارتي جعلتني أغيرها لأن لونها غير مناسب.. وهكذا.. حتى تقابلت مع أحد الأصدقاء مصادفة فإذا به يسألني عن مشاكلي مع زوجتي، ويعددها لي كما لو كان يعيش معنا، وعرفت منه أن الجارة الفضولية لم يكن لها تسلية مع صديقاتها الأخريات بالنادي، ولقاءاتها الأخرى الاجتماعية، وعن طريق الهاتف إلا ما يحدث في بيتنا، فتركت لها الحي كله، ولكن هل سأسلم من اتصالها الهاتفي بزوجتي، أو حضورها لزيارتها في غيابي.. ذلك ما أشك فيه رغم تحذيري لزوجتي بعدم الاتصال بها أو مجيئها لزيارتها.

إن قصص الفضول، واقتحام الخصوصية الشخصية لا تنتهي. فماذا يقول علماء النفس والاجتماع حول هذه الظاهرة التي يبدو أننا ننفرد بها دون غيرنا من المجتمعات الأخرى.

افتقاد الخصوصية

الدكتور أحمد مرعي مدرس علم الاجتماع يقول: الحياة في المجتمعات العربية عموما تفتقد الخصوصية، يسودها الفضول، وحشر الأنوف في حياة بعضهم البعض.. فالأم تزوج ابنتها وتظل تحمل همها وتتابع أخبارها وتتدخل في حياتها، تسألها من أول يوم عن علاقتها بزوجها.. كل هذا بحجة الاطمئنان عليها.. ونفس الشيء بالنسبة للابن والأخت، حتى الجيران يراقبون بعضهم البعض.. هذا أشترى سيارة جديدة، وهذه غيرت أثاث بيتها، وهذا سافر ولده للدراسة بالخارج، وهذه لا تعرف كيف تتفاهم مع زوجها ولذلك طلقها وهكذا..

وتكمن مشكلة الفضوليون المتطفلون إذا تعدى دورهم دور المراقب إلى دور المشارك، فهم يفضلون التدخل المباشر، حتى يكونوا هم القاضي أو الحكم أو المستشار في كل ما يخص الآخرين، وبالطبع تساعد طبيعة الحياة في مجتمعنا الذي يعطي للعائلة الدور الأكبر والأهم، مع عدم الإحساس بقيمة الوقت الذي نهدره عبثا بالكلام وتناقل الشائعات والأخبار الشخصية هذا الأمر.

ومن الغريب أن الطرف الآخر يرحب في البداية بتدخل الآخرين في حياته، ولا يستشعر الخطر إلا بعد استفحاله. وللأسف فإن الدراسات الاجتماعية تقول أن أحد أهم أسباب الطلاق في الأسر العربية يرجع إلى تدخل الأهل أولا ثم تدخل الآخرين سواء كانوا من الجيران أو الأصدقاء.

عدم خلط المفاهيم

إن دور الأسرة مطلوب بشرط الحفاظ على الخصوصية الشخصية. ويروى الدكتور فتحي محمود أستاذ علم النفس قصة حدثت له أثناء دراسته للدكتوراه بالنمسا حيث استلزم الأمر أن يقابل أحد زملائه بمنزله والذي تربطه به صلة عائلية وثيقة.. فذهب إليه دون موعد سابق، وعندما فتحت له زوجة زميله الباب قالت له بكل هدوء: «إنه موجود بالداخل، ولكنك لم تتصل به لتحدد موعد زيارتك له، ثم أغلقت الباب بكل هدوء».

ومن هنا لابد أن تتغير مفاهيمنا.. فنحن نخلط بين الخاص والعام.. بين الخصوصية الشخصية، وبين الصداقة أو الزمالة، وعندما تتطور هذه المفاهيم لدينا سوف ترتقي العلاقات بين الناس وسوف يحترم الجميع خصوصيات بعضهم البعض.

ليست دعوة للانغلاق والعزلة

ثم يضيف قائلا: إنها ليست دعوة للانغلاق والعزلة ولكنها دعوة للحفاظ على خصوصياتنا من الانتهاك.. وقد يفهم من هذا أنني أدعو إلى إهدار دور العائلة، والمساندة الاجتماعية، وكلها ضرورات نفسية، واجتماعية مطلوبة خصوصا في أوقات الشدة والأزمات، وهذه المساندة والتكاتف هوية عربية يفتقدها المجتمع الغربي الذي يعلي من شأن الفردية، ولكننا بحاجة إلى تنظيم هذا الدور في إطار يحفظ دور العائلة، وفى نفس الوقت يحفظ الخصوصية الشخصية بكل فرد من الانتهاك دون إذن.

تفريغ شحنة مشاكل

وهناك رأى نفسي آخر يقول: إن كل إنسان يحاول التدخل في حل مشاكل الناس المحيطين به دون دعوة منهم هو في الواقع يحاول تفريغ شحنة مشاكله وهمومه، وتراكماته النفسية بطريقة غير مباشرة، من خلال أسلوبه في حل المشكلة أن المشاكل التي يعانى منها الآخرون، وربما يكون لديه معاناة نفسية خاصة به، وربما يحكيها أثناء حل مشكلة الآخرين فتقلل بعضا من القلق المتراكم بداخله.

ولكن هناك فرق بين أن يتدخل أحد لفض خلاف أو شجار، وبين أن يحاول تقصي أخبار الآخرين، والتلصص عليهم، ومعرفة أسرارهم، والتدخل في حياتهم دون دعوة أو إذن، وغالبا ما تكون المرأة أكثر استعدادا من الرجل لهذا الفعل بحكم تكوينها النفسي والفراغ الذي تعيشه، ولكن هذا ليس قاعدة على كل الرجال أو النساء، لأن لكل قاعدة لها شواذ، والفروق الفردية في هذا تلعب دورها.

الفضوليون والمتطفلون هم الذين يدسون أنوفهم في خصوصيات الآخرين رغما عنهم!

الأم تزوج ابنتها وتظل تحمل همها وتتابع أخبارها وتتدخل في شؤون حياتها الخاصة
تكمن مشكلة الفضوليين المتطفلين إذا تعدى دورهم دور المراقب إلى دور المشارك

الطرف الآخر قد يرحب في البداية بتدخل الآخرين في حياته ولا يستشعر الخطر إلا بعد استفحاله

 

Share and Enjoy

  • Facebook
  • Twitter
  • Delicious
  • LinkedIn
  • StumbleUpon
  • Add to favorites
  • Email
  • RSS

Tags: ,

بدون تعليقات للان

اضف ردك

Read more:
تحكم بالسكر قبل أن يتحكم بك

خفايا الصحة يعاني مرضى السكري - شفى الله الجميع - معاناة كبيرة في السيطرة على هذا المرض، بسبب عدم الالتزام...

الصلاة اتصال روحي

الصلاة في الحقيقة عبارة عن علاج روحي. فالمرض ينشأ عن نقص في ذبذبة الجسم أو العقل، أو بمعنى آخر عن...

الطفولة أمانة

بقلم: د. رانيا فرح باحثة في علوم الإيزوتيريك www.esoteric-lebanon.org الحبّ والزواج، والإنجاب روابط إنسانية تشكل أنماطاً متعددة ومتجددة من التفاعل...

Close