السلام يظهر جوهر ذاتك

السلام يظهر جوهر ذاتك
كلمة بوجهين لأيقونة واحدة.. الأول هو صمت الزهور والثاني هو سلام العطور.. الصمت هو الوجه الداخلي، هو الجذور لعطر السلام الخارجي..

الإنسان الذي تملأ السكينة كيانه ويعزف الصمت موسيقاه الداخليّة لا بد أن يغني السلام على مسرح حياته وفي كل عمل يقوم به.. وإن لم يكن الصمت يملأ داخل الإنسان فالسلام هو شيء على اللسان..

لا تحاول أن تفرض السلام من الخارج لأن ذلك يخلق الصراع والنزاع في داخلك.. وذلك هو سبب كل أمراض انفصام الشخصية حول العالم.. لأن السلام لا يمكن أن يُجبَر.. لكن هذا ما صنعه ويصنعه الإنسان على مرّ الأجيال.. نعلّم الإنسان كيف يظهر السلام وهو يضمر الحرب والعدوان.. نعلّم الإنسان التناغم من الخارج لكن داخله يغلي بالحقد والكراهية والفوضى العارمة.. نعلّم المظاهر ونترك الظاهر.. لذلك نرى الإنسان يتكلّم عن السلام وأفعاله نحو مزيد من الحرب والتسليح والانهزام.. وكلما كان الحديث عن السلام أكثر فاعلم أن التحضير للحرب أكثر وأكبر.. فالسلام ليس بالكلام بل هو بالعرفان..

النوايا قبل الأفعال

جميع أفعالنا تبدأ قبل أقوالنا.. تبدأ من أفكارنا ونوايانا.. وإنما الأعمال بالنيّات.. لذلك فكل ما نفعله من أعمال هو نتيجة اختبار داخلي يتحوّل من خلال وعينا إلى أفعال خارجيّة.. شاهد الشجرة.. هي لا تأتي من الفراغ بل تنمو من داخل البذرة.. والبذرة تتحول وتتطوّر إلى شجرة.. كيان البذرة وتكوينها يتحوّل شيئاً فشيئاً من الداخل إلى الخارج ليكوّن الشجرة العملاقة الكبيرة.. ذلك الكيان الداخلي المخفي تحوّلَ وتبلورَ في كيان خارجي على شكل شجرة.. لذلك فالداخل هو منبع الخارج والخارج هو انعكاس للداخل.. وبالمثل أيضاً فالصمت الداخلي هو سلام خارجي مخفي.. والسلام هو تحوّل وتبلور للصمت.. هذا معنى كلمة سلام.. الله موجود في كلا الوجهين.. الصمت والسلام.. ولأن الله هو المثل الأعلى للإنسان.. كونوا كالله وتخلّقوا بأخلاق الله.. فعلى الإنسان أن يكون صامتاً مسالماً.. عندها فقط سيكون أمام الإنسان الفرصة للتعرّف على الحقيقة والمعرفة.. سيكون له الفرصة ليختبر العرفان والبنيان..

عندما ينبض القلب بالصمت دون أي أفكار أو مشاعر تشوبه ويختفي الصراع والانقسام والعداء مع الخارج.. وعندما يختفي العدو من جميع من تعرف.. في تلك اللحظة يمكن أن تعرف الحقيقة الساكنة في كيانك.. وتصل إلى اختبار أو المعنى الحقيقي لكلمة «أشهد»..

السلام عطر العرفان

للسلام نوعان، النوع الأول هو سلام منقول ومفروض، وهو سلام رقيق يبقى على السطح الخارجي من وعينا وإدراكنا.. لا يتعدى سماكة جلدنا أو أقل من ذلك.. لذلك فأي خدش بسيط لذلك الغطاء، سيظهر الباطن ويكشف الباطل الذي نسعى لإخفائه باستمرار.. فالسلام هنا هو قناع يخفي حقيقة ما نملك من غضب وحرب وانقسام.. ذلك القناع يكوّن الشخصيّة الخالية من أي ميزة أو خاصية والتي نبقيها حتى لا نظهر حالنا وداخلنا..

هذا السلام هو مجرّد خداع، لأن في داخلنا شخص وخارجنا شخص آخر يدّعي العرفان.. ذلك يخلق حال من الانقسام بعيداً عن السلام والوئام.. سيكون الصراع هو العنوان بين الداخل والخارج، بين الشخص الحقيقي المنتظر في داخلك والمليء بالحقد والكراهية، وبين الشخص الجالس في خارجك ويظهر السلام والسكينة.

المزيّف هو نتاج المجتمع لذلك يلقى الترحيب والتهليل أما الداخل فهو الحقيقة ومع الجماعة لذلك يلقى الترهيب والتذليل.. لكن الداخل هو الذي يملك كل مكنوناتك وكيانك، أما الخارج فليس لديه سوى القناع الذي يكون سهل الكسر والضياع.. لذلك عليك أن تمضي حياتك في تعلّم فن منع الداخل ورفع الخارج، حتى تستمر في لبس القناع وتبقي على الانشقاق والضياع لتكون مقبولاً ومهبولاً في المجتمع.. عليك أن تبقي الخارج جاهزاً وحاضراً لدفن الداخل ودفعه ليبقى في مكانه ومكانته.. ولكن في داخلك أنت تعرف وتعترف لنفسك بخطأك فيبدأ الشعور بالندم والألم دون حل أو عمل..

السلام الداخلي

أما النوع الثاني فهو سلام ينمو من داخلك ويزهر في خارجك.. لا يمكنك اصطناعه أو اختياره، بل يحدث لك بعد التأمل والتفكّر في ذاتك.. هو ليس شخصيّة أو قناع بل هو شروق وإبداع.. لا يمكنك أن تلبسه من الخارج فقط وإنما يفوح من عطر التأمل.. هو يأتي إليك عندما تكون في حال من الاستسلام والقبول بلا أي حاجز أو قيود.. يلمع في داخلك كخيط من نور الشمس في غرفة مظلمة، يخترق قلبك وكيانك ويحوّل روحك ونفسك.. عندها فقط ستختبر ما هو السلام والحياة بعيداً عن الانقسام.. عندها ستصبح الابتسامة هي وسامة وليست وساماً ليراه المجتمع، ستكون في قلبك مزروعة وتحصد ثمارها في كل كيانك.. هذا السلام يزيل كل الأقنعة ويظهر الجوهرة التي في داخلك.. ستختبر الوئام لأن الصراع قد ذهب.. وفي هذا الوئام ستجد الحُبَّ والسلوان لأن الحرب في داخلك انتهت وللمرة الأولى هناك منتصر وهو أنت.. ذلك النصر سيرمي عليك النور وسيرى الكل حولك هذا السرور النابع من قلبك ومن هدوءك وتوحدك مع نفسك..

لا تفرض السلام على نفسك

لذلك لا تحاول فرض السلام على نفسك أبداً.. كل ما عليك فعله هو أن تكون جاهزاً لاستلام السلام.. أي عليك أن تتوقف عن لبس القناع وفرض الكمال من الخارج.. لأن الجهد الذي تبذله هو الذي يعيق الزهور عن نشر العطور.. عليك أن تكون مستقبِلاً وليس مرسلاً.. عليك أن تزيل الجدار الذي يقف بينك وبين الكون والمكوّن.. عندما تزيل ذلك الجدار وتجعل نفسك جاهزاً للنور عندها فقط سيدخل إليك البريق وينير ما داخلك من ظلمة وسواد.. وكأنك في منزل وجميع الأبواب والنوافذ مغلقة.. ليس عليك أن تخلق النور والهواء والأمطار حتى تنعم بها.. فقط افتح النوافذ والأبواب وكل ما في المنزل من عتمة وسواد ستختفي.. أما إذا أردت أن تصنع كل تلك النعم فستبقى غارقاً في ظلامٍ أحلك لأنها مجرد خدعة، وإن وجد أي بشاعة في هذا الكون فهو بسبب الخدع والاصطناع.. عندها ستظن نفسك أنك تحيا ولكن في الحقيقة فأنت أبعد ما يمكن عن الحياة..

لذلك عليك أن تحيا، بالمعنى الحقيقي للحياة.. بالطبع عليك أن تدفع ثمن هذا الخَيار.. أيّها الحق لم تترك لي صديق.. ولكن ذلك الثمن هو بخس إذا ما قارنته مع ما أنت فيه..

كن صادقاً وصريحاً مع نفسك إلى أبعد الدّرجات والمقاييس.. لا تساوم ولا تكذب على نفسك أبداً لأن الثمن سيكون روحك نفسها.. ومهما ملكت بعد ذلك ستكون أنت وحدك الخاسر.. لأنه إذا ملكت كل شيء وخسرت نفسك وروحك فماذا ملكت؟

السلام هنا والآن

ما نعرفه عن السلام لا علاقة له بالسلام الحقيقي.. لأن ما ندعوه سلاماً الآن ما هو إلا غياب حالة الحرب والانقسام.. هو حالة غياب شيء ما وليس حالة حضور للسكينة في داخلنا وأعماقنا.. عندما تذهب إلى الجبال لا شك تشعر بالسلام.. ولكن ذلك السلام هو غياب ضجيج السيارات والأسواق.. عد من تلك الجبال وسرعان ما تكتشف بأن ذلك السلام قد غاب وعاد الصراع والضجيج والأوهام.. كل إنسان يعيش في هدوء الغابات بعيداً عن ضجيج الكلمات والإعلانات ويحسب نفسه قد وصل إلى سكينة الندى وصمت الزهور، هو إنسان يعيش الأوهام والخيال ويخدع نفسه قبل أي إنسان.. عليه أن يعود إلى السوق مكان الامتحان.. فإذا كان سلامه صادقاً وصادراً من لب الألباب فلن يتأثر بما حوله من حركة في المكان بل سيساعده كل صوت في اكتشاف أعماقه أكثر فأكثر..

السلام المشروط

إن السلام الذي يعتمد على المكان هو سلام مشروط، يعتمد على عدد من الظروف إذا تحققت ستحس بذلك السلام.. أما إن غاب أي سبب ستعود الحرب والانقسام.. هذا السلام موجود ولكنه ليس للإنسان.. لأنه ينتمي إلى المكان الذي يوجد فيه وليس لسيّد الأكوان.. لا يستطيع أحد أن ينكر السلام الموجود في الغابات ولكنه يبقى سلاماً للغابات يمكنك أن تستعير منه القليل وتحيا بذلك القليل.. وحالما تغادر الغابات سيبقى السلام فيها ويعود الصراع إلى مكانه في داخلك.. لذلك فأنت تصبح عبداً لتلك الظروف والشروط.. عبد لتلك الغابات والجبال، وأي سلام يجلب معه العبودية بدلاً من الحريّة؟.. العديد من البشر ترك حياته وذهب ليعيش مع قمم الجبال وهدوء المقابر والتلال، ولكن هؤلاء تركوا عبوديّة المدن واستبدلوها بعبوديّة الطبيعية والمكان.. كانت عبوديّة تعطيهم العدوان والآن العبودية تعطيهم الأوهام بالسلام..

إن عاد هؤلاء إلى المكان الذي تركوه وإلى الناس الذين هربوا منهم فسرعان ما سيعرفون إذا ما كان سلامهم صادقاً أم مجرّد وهم في عالم الأحلام.. عليك ألا تثق بسلام مبني على شروط وظروف.. بل هناك السلام الذي تصل إليه في هذا المكان والزَّمان وليس من خلال الذهاب إلى أرض الأحلام.. هذا السلام لا يعتمد على أي شرط بل هو سلام يحضره صوت ضربات القلب مع عزف النَفَس للألحان.. هو سلام تحصل عليه من خلال تغيير وعيك وبنيانك وليس من خلال تغيير المكان.. هذا هو جوهر التأمل..

وعيك وعالمك الداخلي

أن تغيّر نظرتك للأمور بتغيير وعيك وعالمك الداخلي، وليس تغيير المكان لتغيّر النظر إلى البنيان..

عندما ترقى في وعيك وتبدّل كيانك ستزول كل أسباب الصراع والانقسام من داخلك.. عندها أينما كنت وكيفما كنت فالسلام هو الرفيق الصادق الذي لا يتركك مهما كانت الأسباب والظروف.. سينتشر منك السلام ويعم صمت الزهور أينما كنت ومشيت.. حتى الأشخاص الذين تمر قربهم سيشعرون بأن بداخلك شيء مميز.. شيء غير مرئي ولكنه يلمس قلوبهم وروحهم..

التأمل يجعلك تختبر السلام الحقيقي وهو سلام مبني عليك فقط وغير محدود.. لذلك فلا يمكن لأحد أن يأخذه منك أو يعكر صفوك وصمتك.. ولو حتى كنت في عالم من الصخب أشبه بالجحيم ستعيش السلام لأنك تحمل الجنة معك في قلبك الولهان.

الفكر والسلام

الفكر لا يعرف ما هو السلام.. بل يعرف الاستسلام إلى الصراع والنزاع وكل طريق نحو الحروب والهروب من السؤال.. يعرف وسائل التدمير والتعتير، بعيداً عن الهدوء والتعمير..

الفكر يعرف الانقسام بعيداً عن السلام والوئام.. لأنه لم يتذوق طعم الهدوء أبداً.. بالنسبة له السكينة هي شيء ساكن خلف التلال أو في الخيال.. مجرّد كلمة خالية من أي معنى، لأن المعنى يأتي من الاختبار والبرهان وليس من الرِّهان على أوهام..

لذلك فأنت لن تعرف ما هو السلام ما لم يتحوّل الرِّهان إلى برهان..

السلام ليس العنوان لحال الإنسان خليفة الله على الأكوان.. لأن كلمة السلام تحمل معها كلمة الحرب والعدوان.. والسلام هو حال ضعيف وسهل الكسر والفقدان..

عندما تختبر الفرح الداخلي ويرقص قلبك على نغم الحياة المملوء بالهناء يمكنك أن تميّز الفرق بين السلام والسكينة.. لأن السلام هو شيء ميّت أما السكينة فهي التناغم مع ألحان الكون والسمو مع المكوّن..

يمكنك أن ترمي أحزانك وآلامك بعيداً عندما تبدأ باختبار المعنى الحقيقي لكيانك وبيانك.. الأحزان يمكن أن تذوب عنك وتتركك عندما يزهو التأمل في سماءك الداخليّة، لأنه عندها سترى الفراغ الذي يملأك فرعاً من شجرة السكينة والفرح والسعادة.. لن يكون فراغاً مليئاً بآلام الزمان.. بل سيكون فراغاً يملأ كيانك بالنعيم وبأحلى العطور والزهور والبنيان.. ذلك هو سحر التأمل.. تحويل الفراغ إلى سلام وسمو واستقرار.. عندها ستختبر الكنز المدفون في داخلك والإلوهية التي تنتظرك لتزهو من خلالك..

عندما تختبر السلام المدفون في داخلك لأول مرة تعتقد بأن تلك هي النهاية.. تلك هي آخر درجة من درجات السلَّم.. ولكن سرعان ما تبدأ بتغيير ذلك الفكر وسترى بأن ذلك ما هو إلا نهاية البداية.. لأن السلام ينمو وينمو ولا يقف عند حد أو حاجز.. كلما أبحرت فيه ستكشف بحاراً أكبر وأعماقاً أكثر.. لأن حدود السلام هي حدود الكون نفسه.. والكون ليس له حدود بل ينتمي إلى اللامحدود..

 

يعيش الإنسان طوال حياته في وهم دائم اسمه «الامتلاك» فمنذ نعومة أظفارنا نتعلم أن الشخص السعيد هو ذاك الشخص الذي يمتلك أكثر. فمقياس النجاح لأي عمل في الحياة يعتمد على المكتسبات التي تم تحصيلها جراء القيام بهذا العمل. ويرتبط إحساسنا بالأمان أيضاً بكم الممتلكات الموجودة لدينا.

ولكن هل تتحقق السعادة لدى الإنسان عندما تزداد ممتلكاته وتتراكم ثرواته ويتضخم رصيده؟

بالطبع لا.. فعندما يشعر الإنسان بامتلاكه للأشياء يكون هناك أيضاً شعوراً بالخوف. الخوف من فقدان هذه الأشياء. ويطارده هذا الإحساس بالخوف في جميع مواقفه الحياتية إلى أن يتطور تدريجياً إلى الإصابة بالضغوط النفسية والقلق والتوتر. ليس هذا فحسب حيث يعتاد الإنسان أن يعيش مع هذا القلق. وعندما يفقد هذه الأشياء التي يظن أنه امتلكها يخيم عليه الحزن. ولذلك نجد أن الإنسان بطبعه كائن قلق يسيطر عليه التوتر والضغط النفسي مهما علا أو قل من شأنه. فالتفكير الدائم في الامتلاك يلازمه دائماً شعوراً بالخوف من الفقدان. وحتى في لحظات الحياة السعيدة نفكر دائماً في إمكانية فقدان هذه اللحظات ولذلك نتوجس خيفة ونحاول تحجيم أنفسنا بحيث لا نفرط في إحساسنا بالسعادة.

وإذا التفتنا حولنا قليلاً سوف نلاحظ أن ثقافة العالم السائدة اليوم تدعم فكرة الامتلاك. فالامتلاك هو الموضوع الرئيسي لكل الصراعات من حولنا. وكل الجرائم والأحداث المثيرة التي نسمع عنها تقوم أساسا على فكرة الامتلاك. فالجميع في صراع مستمر والكل يحلم بالفوز ويسعى إلى المكسب. وفي خضم هذه الصراعات ينسى الإنسان أن هذا الامتلاك ما هو إلا وهم يجرنا إلى مزيد من التعاسة.

وهناك قول مأثور يقول أن الإنسان لا يمتلك ثروته بل هي التي تمتلكه. فإذا أمعنا التفكير قليلاً لأدركنا أن كل شيء يأتي ويذهب. فالأموال نكتسبها كي ننفقها والأشخاص يدخلون حياتنا وسرعان ما نفارقهم. حتى المشاعر والأشياء المعنوية غير الملموسة تأتي لتذهب من جديد. ونفس الأمر ينطبق على الأفكار. فهناك حقيقة واحدة وهي دوام الحال من المحال، وبالرغم من وضوح هذه الرؤية إلا أننا نظل في عنادنا واعتقادنا بأننا يمكن أن نستمر في الامتلاك. ويصل الإنسان إلى أقصى مراحل العناد عندما يضفي صفة الملكية على أشياء وأشخاص يعلم تماماً أنه لا يمتلكها. فنراه مثلاً يردد كلمة وظيفتي – مكانتي – عائلتي أطفالي. ويعتبر ذلك من أفدح الأخطاء التي نقع بها. فمع اعتقادنا بامتلاك هذه الأشياء والأشخاص نعتقد أنه يجب أن نتحكم بها.

ولكن هل نمتلك أطفالنا مثلاً؟ هل من حقنا أن نعد العائلة من الممتلكات الخاصة بنا؟

امتلاك التاريخ والماضي

ومما يزيد الأمور تعقيداً عندما يشعر الشخص بأنه يمتلك أيضاً التاريخ والخبرات الماضية، حيث يقدمها للآخرين على أنها جزء من ممتلكاته الخاصة، ويترتب على ذلك الغرق في دوامة الماضي. ربما يرد قائلاً أن الماضي هو الذي يشكل الحاضر ولذلك يجب أن نحرص عليه، ولكننا نقول أننا في حاجة للتعلم من الماضي حتى لا نكرر نفس الأخطاء لا أن نعيش بداخله كما يحدث في كثير من الأحيان..

فلابد أن ننظر إلى الذكريات على أنها جزء من ألبوم الصور. وأنها سوف تبهت تدريجيا إلى أن تتلاشى.. وأن هذا التلاشي يعتبر من قوانين الطبيعة. وكلما ازداد إدراكنا بالحاضر كلما ذابت هذه الذكريات بطريقة أسرع وأسهل. فإذا وصلنا إلى هذه المرحلة نصل إلى السعادة الحقيقية.. «سعادة الروح».. ولذلك لابد أن تكون واعيا باللحظة التي تعيشها وأعلم جيدا أن هذه اللحظة هي صورة تقوم بالتقاطها وسرعان ما تبهت وتتلاشى وأن هذا أمرا طبيعيا. فلا يجب مطلقا أن نحاول امتلاك الماضي.

امتلاك المعرفة

ومن صور الامتلاك الخادعة أيضا نذكر «المعرفة».. حيث يدعي البعض امتلاكه للمعرفة والمعلومة أكثر من الآخرين، هؤلاء الذين نطلق عليهم اسم الخبراء. ويعتقد هؤلاء بامتلاكهم السلطة في مجال خبرتهم، فهم رأس الحكمة التي يجب أن يستمدها منهم أصحاب الخبرات الضعيفة. ومع مرور الوقت يترسخ في ذهن هؤلاء ضرورة السيطرة على عامة الناس فمعرفتهم وخبرتهم تخول لهم ذلك كما يعتقدون. ولذلك نراهم يتحدثون عن هؤلاء العامة كجزء من الممتلكات الخاصة بهم. فالمدرس مثلا يقول طلابي أو تلاميذي.. والطبيب يقول مرضاي.. والمحامي يقول زبائني وهكذا.

ولكن يرى العلماء أن المعرفة الحقيقية لا يمكن امتلاكها أو الاستحواذ عليها. فالمعرفة هي الحكمة التي تصدر في موقف معين ويمكن ترجمتها إلى فعل معين لمواجهة متطلبات هذا الموقف.

Share and Enjoy

  • Facebook
  • Twitter
  • Delicious
  • LinkedIn
  • StumbleUpon
  • Add to favorites
  • Email
  • RSS

Tags: ,

بدون تعليقات للان

اضف ردك

Read more:
الشيب وقار ولكن ماذا بشأن شيب الشباب

من الناس من كره الشيب، ومنهم من أحبه، ومنهم من وجد فيه العظة الحسنة، فكف عن لهوه، وتأهب لملاقاة ربه،...

أخصائية العلاج الطبيعي ماجدة معرفي

العلاج الطبيعي أبعد ما يكون عن المساج أمل نصر الدين التقت أخصائية العلاج الطبيعي ماجدة معرفي لتطلعنا على آخر التطورات...

تحكم بالسكر قبل أن يتحكم بك

خفايا الصحة يعاني مرضى السكري - شفى الله الجميع - معاناة كبيرة في السيطرة على هذا المرض، بسبب عدم الالتزام...

Close