جنة الظل

جنة الظل
لو شاءت الأقدار.. وأجبرتك الظروف على السير مسافة طويلة في صحراء قاحلة تحت شمس محرقة وعلى رمضاء ملتهبة.. فإن أكثر ما تتمناه وتنشده أن تحظى بظل يقيك حرارة الشمس المحرقة ويخفف عنك عناء المسير ويعيد إليك رمق الحياة.

وعندما تجد الظل وترتمي بين أحضانه وتسند إليه ظهرك.. تغمرك نشوة الفرح والاسترخاء والراحة.. تشعر بعدها أنك قد عدت إلى طبيعتك وذاتك.. فتلملم قواك المنهارة.. وتنفض عن نفسك عناء المسير وصعوبة الموقف.. وتبدأ في التفكير العميق للخطوة القادمة.

إن الظل في حالتك هذه أشبه بفيض الحنان الذي أمدك بالحياة والسعادة والآمان.. أشبه بالأمل الذي أعاد إليك رمق الوجود.. ولهذه العلة جبل الإنسان على حب الظل بمختلف صوره وأشكاله وأنواعه

هذه الصورة الرمزية التي يمر بها الإنسان مراراً وتكراراً في حياته تحتاج إلى وقفة تأمل وتدبر تستقى منها العقول الحكيمة آية وعبرة.. وتنشد منها النفوس الواعية سلوكاً وتطلعاً للبناء والكمال.

قد ننظر إلى الظل من زاوية ضيقة حركت الإنسان على مر التاريخ لتنظيم وقته وبناء مستوطناته ومقر إقامته ومعرفة تقلبات الرصد الجوي.. ولكن من أشرق نور المعرفة في قلبه يرى في الظل ثلاث حقائق أساسية:

بقلم: عبدالرسول محمد

الظل يحمي الإنسان من مهلكات الدهر وفتن الزمان.. يقيه من النيران الملتهبة التي تداخل نفسه وكيانه في كل لحظة وحين..

Ab3ad RIGHT.jpg
الأولى:

أنه آية من آيات الإبداع الكوني التي تتعلق بحركة الكواكب والأفلاك فالظل سباحة فلكية عميقة تجوب فيها كتلة عظيمة من المادة في فضاء الكون الفسيح ومن خلال حركتها يتكون ظلك الذي يزيد وينقص بمقدار تلك الحركة..

الثانية:

الظل هو أذان التوحيد الصامت الذي يعلن ساعة إقامة الصلاة التي تربطك بالخالق. فهو أشبه بالميقات الذي تنساب إلينا من خلاله تلك النفحات القدسية التي تنفض عن قلوبنا هواجس النفوس.. لذلك كان الرسول ([) ينظر وقت الزوال إلى الشمس ويلتفت إلى بلال ويقول له: «قم وأرحنا يا بلال»..

الثالثة:

الظل سفينة النجاة التي تجعلك تعود إلى ذاتك وطبيعتك التي فطرك الله عليها، فهو الأمان والأمل لكل عابر سبيل في هذه الحياة وبدونه يشعر الإنسان بالضياع والتيه في صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا كلاً.

فالظل يحمي الإنسان من مهلكات الدهر وفتن الزمان.. يقيه من النيران الملتهبة التي تداخل نفسه وكيانه في كل لحظة وحين.. فالنفس البشرية دائمة البحث عن الظل الذي يهيئ لها السعادة والأمان والاستقرار.. تبحث عما يحقق لها كيانها وارتقائها وسموها..

تبحث عن ظل يريحها من عناء سفر الحياة الشاق تحت أشعة الحياة المادية الملتهبة..

تبحث عن الظل في الأرض الجرداء التي تحولت فيها القلوب إلى حجارة أو أشد قسوة..

تبحث عن الظل بين لهيب الضمائر التي جف ماؤها فأضحت أطلالا خاوية على عروشها.. تبحث عن الظل بين ركام الماديات والتحضر التي أفقدنا أصالتنا وهويتنا..

تبحث عن الظل بين رمال القشريات والهوامش التي تكالب عليها الناس حتى كادت أن تشكل كثباناً متحركة تعيق مسيرتها..

تبحث عن الظل بين المفاهيم الخاطئة التي غرست فينا منذ القدم وشكلت إعاقة فكرية ونفسية لكياننا ووعينا..

تبحث عن الظل في عالم متصحر القلب أصبح فيه القتل تسلية، وسفك الدماء مفخرة، وحز الرؤوس هواية، ونواميس الخلق مقلوبة..

تبحث عن الظل في عالم تسوده الأحقاد والفتن حتى أصبح المؤمن عدوا لأخيه بعد أن كان مرآة له..

لقد عاش نبي الله موسى (عليه السلام) ظروف قهرية عندما كان في طريقه إلى مدين بعد أن خرج من مصر خائف يترقب.. لا يملك ما يسد جوعه إلا البقل وورق الشجر، بطنه لاصق بظهره من الجوع، حافي القدمين في حالة يرثى لها من الخوف والجوع والقلق والاضطراب..

ولكنه وجد الظل الذي أسند إليه ظهره.. وغير معادلة الضعف إلى قوة، والانكسار إلى أمل وحظوه، والخوف إلى اطمئنان وراحة {ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} لقد ناجى موسى ربه تحت ظل الشجرة التي آوى إليها بعد أن رجع إلى نفسه واستجمع قواه ولملم جهده فكان بذلك نجاته وسعادته وبداية لمسيرة دعوته مع نبي الله شعيب (عليه السلام)..

وإذا كان ظل الشجرة والسقف والحائط ظل محدود ومؤقت يزول بقطع الشجرة أو تهاوي السقف أو سقوط الحائط.. فإن الظل الذي أسند نبي الله موسى (عليه السلام) إليه ظهره ظل ممدود دائم باقي لا زوال له ولا اضمحلال.

لقد وجد موسى (عليه السلام) ظله.. ولكن ما بالنا نحن البشر.. هل حرمنا الله عز وجل من التمتع بهبة الظل الرحمانية التي نستعيد من خلالها ذواتنا ونجعلها انطلاقة لنا في حياتنا..

إن كرم الله الفياض على الوجود أغدقت علينا نعمة التمتع بالظل الإلهي الذي جعله قبل بزوغ شمس يوم جديد وهي فترة ما بين الطلوعين ما بعد طلوع الفجر الصادق إلى ما قبل طلوع الشمس وأشار إليه في قرآنه الكريم بالظل الممدود {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً} وهي الفترة التي لا تحسب من الليل ولا من النهار بل هي (ظلاً ظليلاً).

وكما أن الشجرة تعتبر ظلاً لرجل الصحراء.. فإن هذه الفترة هي فترة الراحة والأمان والسكون والصفاء لنا جميعاً.. ففيها تسكن النفوس وتهدأ الجوارح وتطمئن القلوب فتكون أقرب إلى حال المناجاة التي نعرف من خلالها حقيقة أنفسنا وذواتنا…

هذه الساعة هي ظل الإنسان الحقيقي.. البعيدة كل البعد عن الماديات المزخرفة، والنفاق المبطن، والصخب المصطنع.. إن لحظة مناجاة في هذه الساعة لها تأثير مضاعف على سلوك الإنسان الذي ينتظر إشراقة يوم جديد.. يوم قد استعد له بمعرفة حقيقة نفسه التي تجردت عن العوالق المترسبة.. يوم قد شهد ظله.. ومن شهد ظل يومه وأسند إليه ظهره لا تلفح وجهه أشعه المنزلقات المحرقة بل يكون بمأمن منها..

فإذا كان للظل هذا العطاء الآمن.. فهل نوفق للتمتع بهذا الظل ليقينا حرارة الآخرة.. أم يسلبنا العبث عطاءه فنسند ظهورنا إلى ظل آخر يعجز حتى أن يقينا حرارة شمس الدنيا.

النفس البشرية دائمة البحث عن الظل الذي يهيئ لها السعادة والأمان والاستقرار.. تبحث عما يحقق لها كيانها وارتقائها وسموها.. تبحث عن ظل يريحها من عناء سفر الحياة الشاق تحت أشعة الحياة المادية الملتهبة.. تبحث عن الظل في الأرض الجرداء التي تحولت فيها القلوب إلى حجارة أو أشد قسوة..

 

Share and Enjoy

  • Facebook
  • Twitter
  • Delicious
  • LinkedIn
  • StumbleUpon
  • Add to favorites
  • Email
  • RSS

Tags:

بدون تعليقات للان

اضف ردك

Read more:
العلاج بالاحساس والوعي

كل شيء يبدأ في تفكيرك أو وعيك ثم يحدث في حياتك العملية، وكل شيء يحدث في وعيك أو تفكيرك هو...

لست وحدك: كيف اكبح غضبي

السلام عليكم.. أنا سيدة متزوجة منذ 12 سنة موظفة (معلمة) وأم لـ 3 أطفال وحامل حالياً.. مشكلتي تتلخص بكوني عصبية...

الحزام الناري

بقلم: زينب قربان zainabqurban5@hotmail.com مرض ينشأ من فيروس الحماق (الجديري المائي)، وهو نفس الفيروس الذي يسبب الجديري المائي، ويسمى أيضاً...

Close