الشيب وقار ولكن ماذا بشأن شيب الشباب

شيب الشباب
من الناس من كره الشيب، ومنهم من أحبه، ومنهم من وجد فيه العظة الحسنة، فكف عن لهوه، وتأهب لملاقاة ربه، ومنهم من أغرق في انتهاز لذاته بين وتر وطرب، وراح وقيان، متمادياً في غيه لا يرعى لنذير شيب، ولا لقول ناصح.

ولئن أمعن الشعراء والكتاب في الشيب مدحاً أو قدحاً، ولئن تضاربت أو تباعدت أو تلاقت آراؤهم حوله، فإن فيصل القول في ذلك يؤول إلى قول الله سبحانه وتعالى في سورة الروم :{الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة، يخلق ما يشاء وهو العلي العظيم}.

وكيفما اختلفت آراء الأطباء في موضوع الشيب وأسبابه فهي تعود أولاً وأخيراً لسر يريده الله وقضاء لابد من وقوعه عاجلاً أو آجلاً.. فالشيب في حد ذاته عملية فسيولوجية معناها زوال لون الشعر في الرأس وباقي أنحاء الجسم فيخيل للناظر أنه تحول إلى اللون الأبيض، مع تغير في تركيبته الكيميائي ومحتوياته الدهنية، حيث تصبح الشعرة البيضاء جافة غير لامعة ثم تتقصف وتسقط بسرعة.

ويعود السبب الرئيسي للشيب هو تقدم العمر إذ ينقص إنتاج الصباغ (الميلامين) في خلايا الشعر.

والشيب بشكل طبيعي يبدأ في الأربعينات، وقد يسرع عند البعض الآخر فيظهر مبكراً في العشرين من العمر، وهذا النوع تكون عادة أسبابه غير واضحة، فهي إما وراثية أو لحالة من حالات ضعف الخلايا والأمراض العصبية، والصدمات النفسية التي تسرع في ظهور الشيب، فالعائدون من الحرب أو المصابون بعصاب الحرب والرعب يظهر عندهم الشيب بسرعة غريبة، تخرج من النطاق الطبيعي، ومن الأمور النادرة ظهور الشيب عند الأطفال فهو يعود إلى شذوذ في توزيع الصبغات عند تشكل البويضة نتيجة صفة متنحية مقهورة قد تكون مختبئة عند أحد الوالدين تجمعت لدى الطفل وظهرت بالوراثة.

إن ابيضاض الشعر ما زال سرا غامضاً، وأكثر حالات الشيب المبكر لا تزال مجهولة السبب، فلا يزال العلماء إلى يومنا هذا يبحثون عن سبب أو تعليل مقنع لتغيير لون الشعر الأبيض من السواد إلى البياض.

وإن كان كثير من المتخصصين لا يرجعونه إلى قلة الصبغة الطبيعية للشعر أو انعدامها كما كان يظن من قبل، بل يرجعونه إلى وجود فقاقيع من الهواء داخل الشعرة، وربما كان التوتر العصبي، والقلق النفسي الذي هو من مستلزمات هذا العصر والاسترسال في الحزن وما إلى ذلك من الاضطرابات النفسية يؤدي بطريقة ما إلى دخول الهواء في الشعر فيسبب ابيضاضه.

الشيب المبكر

والشيب المبكر يظهر في أوقات وأعمار مختلفة، ويرتبط بالأحداث المحيطة بالمرء، كحالات اليأس والتحطم النفسي والاكتئاب الشديد وفي حالات الصدمات العاطفية، وكذلك في الرعب زمن الحرب، وفي حركة دفاع الجسم أمام الصدمات الخارجية القاسية أو الضغوط النفسية.

وتقول الأبحاث الجديدة أن الشيب سببه خلل يجعل الكريات البيضاء في الدم تسحب اللون من الشعر فتفقده صبغته الطبيعية.

الشعر والشيب

ينمو الشعر تحت طبقة الجلد، حيث يمتد جذر الشعرة في أدمغة الجلد ثم تخرج الشعرة إلى سطح الجلد مثل وردة التوليب، وعندما يخرج قسم من الشعرة خارج الجلد تصبح الشعرة شبه صلبة. وهي تتكون من مادة قرنية ويصبح القسم الخارجي من الشعرة مسطحاً حيث تتجمع الخلايا فوق بعضها البعض وهذا ما يجعل الشعرة دقيقة جداً.

ويوجد بين الشعيرات خلايا خاصة ملونة، وقد تظهر هذه الخلايا إلى سطح الجلد، وعندما تظهر هذه الخلايا فوق الجلد تموت فتتضاءل الأصبغة ويصبح الشعر بدون لون.

أما لون الشعر (المادة القرنية) فهو اللون الأصفر، وتتدرج ألوان الشعر من ألوان البني الفاتح إلى اللون الأحمر إلى اللون الأسود. لذا يمتزج لون المادة القرنية مع لون الأصبغة وهذا ما يعطي لون الشعر النهائي، كما تظهر عوامل الوراثة بين الأجيال في لون الشعر. ويؤكد الأطباء أن أهم عنصر في الشعر هو منطقة الجذر الذي يضم ثلاثة مراكز مهمة هي: الشبكة الدموية، وشبكة الأعصاب، والغدد الدهنية.

ففي حالة صحة هذه المراكز الثلاثة وسلامتها يكون الشعر سليماً براقاً يتميز بالصحة والجمال والقوة، وعندما يصاب أحد هذه المراكز بمرض أو تلف يؤثر ذلك على الشعر.

كما جاء في الخبر عن النبي (ص) حين سئل مال الشيب في رأسك، فقال: «لقد شيبتني سورة هود».

وقال القرطبي تعلقاً على هذا الحديث: إن الفزع يورث الشيب، وذلك أن الفزع يذهل النفس فينشف رطوبة الجسد، وتحت كل شعرة منبع ومنه يعرق، فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست المنابع، فيبس الشعر وأبيض، كما ترى الزرع الأخضر بسقائه، فإذا ذهب سقاؤه يبس فابيض، وإنما يبيض شعر الشيخ لذهاب رطوبته، ويبس جلده، فالنفس تذهل بوعيد الله، وأهوال ما جاء به الخبر عن الله، فتذبل وينشف ماؤها ذلك الوعيد والهول الذي جاء به، فمنه تشيب، وقال تعالى: {يوم يجعل الولدان شيباً} فإنما شابوا من الفزع.

أرواح هرمة وأرواح فتية

ليس الشيب والشيخوخة بالسن دائماً، وإنما المسألة مسألة أرواح فتية وأرواح هرمة محطمة، وقد تكون الأولى في أجسام شيوخ، كما تكون الثانية بين جنوب فتيان، على أن الشيخوخة وما يتبعها من الشيب إنما هي سن النضج والاكتمال وهي ثمرة الشباب وعصارة تجاربه، فالشباب شجرة وارفة ناضرة الأفنان، ولكنها لا تؤتي ثمارها، ولا تجود بقطوفها إلا بعد أن يمر عليها حين من الدهر الطويل.

من أقول الحكماء

قال بعض الحكماء عن الشيب: مبدأ ظهور الشيب في الناصية كرم، وفي القفا لؤم، وفي الهامة وقار، وفي الفودين شرف، وفي الصدغين شح، وفي الشارب فحش.

وقال حكيم: نصحني النصحاء، ووعظني الوعاظ شفقة ونصيحة وتأديباً، فلم يعظني أحد مثل شيبي، ولا نصحني مثل فكري.

وقال آخر: من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ بشيء الإسلام والقرآن والشيب. الشيب مطيه الأجل، وطريدة الأمل.

وقال: من شب على شيء شاب عليه

رأى حكيم شيبة فقال: مرحباً بثمرة الحكمة، وجني التجربة، ولباس التقوى.

كما عير حكيم آخر بالشيب فقال: نور يورثه تعاقب الليالي، وحلم يفسده الشهور والأعوام، ووقار يلبسه مدى العمر ومضي الدهر.

يشيب ابن آدم ويشب معه خصلتان: الحرص والأمل.

الشيب زبدة مخضتها الأيام، وفضة سبكتها التجارب.

قال حكيم يوماً: إذا شاب العاقل سرى في طريق الرشد بمصباح الشيب، ومما يحتج به للمشيب على الشباب أو الشباب قلما يبقى أكثر من أربعين سنة، وقد يعيش المرء في الشيب التسعين أو المائة.

وقالت امرأة لرجل أخذ يراودها عن نفسها: أما ترى الشيب إلى القبر قد دعاك، وبياض شعرك على نفسك قد نعاك.

إنما يعيش الناس في الشيب، وأما السواد فلا يصحب الناس خالصاً أكثر من أربعين سنة إلى الخمسين، وقد يعاش في البياض الذي لا سواد فيه ثمانون سنة.

أشعار لها معنى

تطرق الكثير من الشعراء لوصف بياض الشعر، بعضهم وصفه بالتكريم وآخرون وصفوه بانقضاء العمر، وآخرون أدخلوه في نوادرهم المسلية كقول الطيب ابن زهر:

إني نظرت إلى المرآة قد جليت

فأنكرت مقلتاي اليوم ما رأتا

رأيت فيها شويخا لست أعرفه

وكنت أعهد فيها قبل ذاك فتى

فقلت: أين الذي بالأمس كان هنا

متى ترحل من هذا المكان متى

فاستضحكت ثم قالت وهي معجبة

إن الذي كنت تخشاه أتى

كانت سليمى تنادي يا أخي وقد

صارت تنادي اليوم يا أبتا

وقال شاعر آخر في حوار دار مع زوجته:

إِنَّ المشِيبَ رِداءُ الحِلمِ والأَدبِ

كما الشبابُ رداءُ اللَّهوِ واللعبِ

تَعجَّبَتْ أَنْ رَأَتْ شَيْبي فقُلتُ لها:

لا تعجبي، مَنْ يطُلْ عمر بهِ يَشِبِ

شَيبُ الرِّجالِ لَهمْ زَينٌ وَمَكْرُمَة ٌ

وشيبكنَّ لكنَّ العـارُ فاكتئبي

فينا لكنَّ، وإن شيبٌ بَدا، أربٌ

وَلَيسَ فيكُنَّ بَعد الشَّيبِ مِن أربِ

 

Share and Enjoy

  • Facebook
  • Twitter
  • Delicious
  • LinkedIn
  • StumbleUpon
  • Add to favorites
  • Email
  • RSS

Tags: ,

بدون تعليقات للان

اضف ردك

Read more:
التهاب الاعصاب وفقد الاحساس

بقلم: زينب قربان zainabqurban5@hotmail.com أسباب التهاب الأعصاب مختلفة ومنها عبارة عن الالتهاب أو التدهور الذي يحدث في عصب أو مجموعة...

النمل تضحية بلا حدود

تمثل أكثر الكائنات الحية التي تعيش على الكرة الأرضية حالة إعجازية حين دراستها والتغلغل في تفاصيل حياتها، خاصة تلك التي...

قراءة الكف والأذن وكشف المستور

بقلم: د. أميمة خفاجي أستاذ مساعد الهندسة الوراثية العلم في الخارج يتقدم ويتطور، وأمريكا وبعض البلاد الأوروبية وروسيا وغيرها من...

Close